فاطمة عطفة
شكل الحضور الإبداعي للمرأة الإماراتية، قوة فكرية أعادت صياغة مفاهيم التميُّز في ميادين العلم والفنون والعمل. وفي فضاء الأدب، لم تكتفِ بكونها مُلهمةً، بل تحولت إلى صانعةٍ للمعنى، فجاء نتاجها الشعري -بجزالة نبطيّة وفصاحة بيانه- متجذراً في إرثٍ أدبيٍ جعل من «تأنيث القصيدة» إضافةً نوعية للوجدان العربي، توازي في قيمتها أرقى التجارب الإنسانية. وقد تجاوز هذا الحضور الإبداعي حيّزه المحلي ليضع بصمته في الفضاءين الخليجي والعربي، من خلال أسماء أدبية صاغت تجربةً فكريةً ناضجة، تجلّت في قدرتهنّ على تقديم نتاجٍ يعكس رؤيةً إنسانية وازنة تربط بين المرجعية الثقافية وتطلعات التحديث. وهو ما جعل من هذه المساهمات ركيزةً فاعلة في إثراء الوعي الجمعي، ورافداً يمنح الثقافة العربية المعاصرة أبعاداً متجدّدة من القيمة والعمق.

ذاكرة الشعر
أوضحت الشاعرة والمخرجة السينمائية نجوم الغانم، أنه لا يمكن رصد ذاكرة الشعر النسائي في دولة الإمارات من دون التطرق إلى فرعين أساسيين هما: الشعر النبطي المرتبط بالذاكرة الشفاهية الشعبية اللصيقة بالمجتمع المحلي، والشعر الحديث الذي ترافق مع الانفتاح وتبلور تدريجياً مع تحولات المجتمع. فالشعر النسائي لم يظهر فجأة كصوت مستقل، بل كان جزءاً من نسيج ثقافي أوسع، عبّرت فيه المرأة عن ذاتها من داخل المجتمع، إلى أن انفردت بصوتها الخاص لاحقاً على المستوى الإقليمي. مبينة، أن هذا الشعر، في المراحل الأولى، ارتبط بالبيئة المحلية دون التخلي عن البلاغة وقوة البيان والتعبير، كما يظهر في تجربة عوشة بنت خليفة «فتاة العرب»، والتي مثّلت صوتاً شعرياً قوياً في الشكل النبطي، عبّرت فيه عن المشاعر الوجدانية الخاصة، ولكن في إطار اللهجة المحلية، مع حضور واضح للذات الأنثوية داخل هذا الإطار.
وأضافت الغانم، أن هناك أصواتاً شعرية جديدة بدأت تظهر مع تشكّل الدولة الحديثة واتساع فضاءات التعليم والثقافة، وتعدّد أساليب التعبير بسبب الانفتاح على الآخر سواء على المستوى العربي أو الكوني، وهذه الأصوات تجاوزت حتى التدرج التقليدي في النظم الذي كان سائداً في الأنموذج العربي، أي التدرج من مرحلة الكتابة العمودية إلى شعر التفعيلة، ثم قصيدة النثر. مشيرة إلى أن بعض شاعرات الحداثة تبنين قصيدة النثر على سبيل المثال كأسلوب للتعبير عن الذات، دون الحاجة لإثبات المقدرات الفنية المتعلقة بالنظم والعروض لأي كان، ولا حتى للمجتمع الثقافي السائد، ومن أوائل الشاعرات في هذا السياق ظبية خميس، ميسون صقر القاسمي، وغيرهما من الشاعرات، حيث تعزّزت الكتابة لديهن بوصفها مشروعاً فكرياً وجمالياً، وتداخلت مع الأسئلة الثقافية الأوسع وإعادة صياغة العلاقة بين اللغة والهوية والانتماء.

ولفتت الغانم إلى تجربتها الشعرية موضحة، بالنسبة لي كان الخيار الفني المتعلق بالشكل والمضمون هو الذي جعلني أجد في تجارب الشاعرات العربيات أمثال سنية صالح وايتيل عدنان جرأة استثنائية وأفقاً جديداً شعرت وأنا أقرأه بأن الشكل لم يعُد هو القضية، بل التجربة والصوت. أما بالنسبة للسرد الروائي فقد تطوّر بشكل سريع بفضل انتشار الجوائز الدولية والعربية، ليس فقط على مستوى اللغة، وإنما أيضاً على صعيد الطرح، وأنا أفضِّل عدم الخوض في المقارنة بين الرواية والشعر لأنهما في رأيي الشخصي ينتميان إلى سياقين مختلفين بسبب البناء الذي يحكمهما.

مدخل جوهري
وقالت الشاعرة مريم المزروعي: «من خلال قراءاتي، أُعجبتُ بنتاج نخبة من الشاعرات اللواتي أعتبر تجاربهن مدخلاً جوهرياً لفهم تطور الشعر النسائي في دولة الإمارات عبر الأجيال، إذ تعكس نصوصهن تجربة ثرية توازن بين الأصالة والتجديد. لافتةً إلى أنها قرأت للشاعرة حمدة بنت زنيد السويدي، ووجدت في قصائدها انعكاساً صادقاً للبيئة المحلية وروحاً تراثية أصيلة، كما اطّلعت على تجربة الشاعرة عفراء بنت سيف المزروعي، التي تمثّل حضوراً معاصراً يمزج بين الحس الإبداعي والاشتباك مع قضايا المجتمع».
وأضافت المزروعي: «لا يمكننا إغفال تجربة عوشة بنت خليفة السويدي (فتاة العرب)، التي ستظل علامة فارقة في تاريخ الشعر النبطي، ونموذجاً يُحتذى في قوة الكلمة وعمق المعنى. ومن خلال هذه القراءات، نلمس جمالية الاستمرارية، التي ميّزت الشعر النسائي منذ مرحلة ما قبل الاتحاد وصولاً إلى وقتنا الراهن، حيث حافظت المبدعة الإماراتية على جوهر القصيدة، وسعت في الوقت ذاته إلى تطوير أدواتها الفنية بما يواكب التحولات الثقافية والاجتماعية المتسارعة».
وعن مكانة الشعر في عصر الرواية، تؤكد المزروعي أنه رغم صعود الرواية واتساع قاعدتها الجماهيرية، فإن الشعر لا يقف في موضع منافسة معها، بل يسعى إلى إعادة صياغة حضوره وتجديده، إذ ترى أن الرواية توفّر فضاءً سردياً ممتداً، بينما يتفرد الشعر بقدرته على التكثيف الرمزي والتعبير العميق بأوجز العبارات.
وتعتقد المزروعي أن استمرارية الشعر مرهونة بتطوير أدواته ولغته، سواء من خلال قصيدة النثر أو عبر استثمار المنصات الرقمية، التي قلّصت المسافات بين الشاعر وجمهوره، لاسيما لدى الأجيال الناشئة. كما تشير إلى أن تقاطع الشعر مع الفنون الأخرى كالموسيقى والفنون البصرية يمنحه آفاقاً تأثيرية أرحب، ويجعله فناً حياً قادراً على مواكبة التحولات العصرية المتسارعة.

قراءة القصيدة
وبيّنت الشاعرة والإعلامية عائشة الكعبي أن الحديث عن الشعر هو حديث عن «سماء لا سقف لها»، مؤكدةً أنه لا يمكن حصر نوع أدبي متمرد كالشعر في قوالب ضيقة. ورغم شغفها بتوثيق وترجمة نتاج المرأة الشعري عبر ثقافات متعددة، كما تجلى في كتابها «ربات الشعر» (2012)، إلا أنها تؤمن بأن القصيدة لا تُقرأ بناءً على جنس مبدعها، بل العكس هو الصحيح.
وأكدت الكعبي على أن المبدع هو من يُقرأ من خلال نصّه، لاسيما وأن علاقة الشعر بالمرأة في الإمارات هي علاقة «الرائي بالمرئي»، حيث تجسّدت المرأة كـ«ثيمة» تراوح بين الحبيبة والوطن، بدءاً من أشعار الماجدي بن ظاهر ومن تبعه، مروراً بابنته الشاعرة «فتاة الحي» ثم «فتاة العرب»، وصولاً إلى الأصوات الشعرية الإماراتية المعاصرة التي نعتز بها.

دور محوري
ترى الكعبي أن الدور المحوري في هذه العلاقة يكمن في «الراوية»، فقد نشأ جيلنا على هدهدات أمهات يحفظن فيضاً من الشعر دون اتكاء على شهادات أكاديمية. وأشارت إلى وجود أبيات ارتبطت بمناسبات ووقائع تاريخية، استقتها من والدتها وعمتها، مؤكدةً أن أفئدة نساء الإمارات كانت دوماً «دفاتر» تحفظ الذاكرة الشعرية التي سكنت وجدان الأجيال.