الإثنين 30 مارس 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

شما بنت محمد لـ «الاتحاد»: ترميم الأبنية القديمة حماية للذاكرة الوطنية

شما بنت محمد لـ «الاتحاد»: ترميم الأبنية القديمة حماية للذاكرة الوطنية
30 مارس 2026 02:16

فاطمة عطفة (أبوظبي)

تجسد الرؤية الاستراتيجية للقيادة الرشيدة في أبوظبي نموذجاً رائداً في الإدارة المستدامة للأصول التراثية، حيث تولي اهتماماً فائقاً بحماية وصون النسيج المعماري التاريخي للإمارة. وتجلى هذا التوجه احترافياً في مشروع إعادة تأهيل «قصر الحصن»، الذي خضع لعمليات ترميم دقيقة شملت معالجة أجنحته الإنشائية وفق أرقى المعايير الدولية، مع توظيفه وظيفياً عبر استحداث «بيت الحرفيين» كمنصة حيوية لاستدامة الصناعات التقليدية. ويمتد هذا النهج الموضوعي ليشمل المواقع الأثرية والمعالم التاريخية في مدينة العين، مما يعكس شمولية المنهجية العلمية في الحفاظ على الهوية الوطنية، وتحويل هذه الصروح إلى مراكز تواصل حضاري ومنصات معرفية تعزز ارتباط الإنسان الإماراتي بجذوره التاريخية. 

وحول أهمية ترميم هذه المباني وتجديدها، تقول الشيخة الدكتورة شما بنت محمد بن خالد آل نهيان، رئيس مجلس إدارة مؤسسات الشيخ محمد بن خالد آل نهيان الثقافية والتعليمية، لـ«الاتحاد»: «إن ترميم الأبنية القديمة ليس عملاً تجميلياً أو نوستالجيا للماضي، في حقيقته هو فعل حماية للذاكرة الوطنية. فالمبنى التاريخي يشبه وثيقة حية يحمل في مادته وطرزه وطبقات ترميمه المتعاقبة قصة المكان والناس والتحولات. من الناحية التاريخية الترميم يحافظ على الأصالة، أي على الشواهد المادية التي تساعدنا على قراءة زمنها وفهم تفاصيل الحياة اليومية والاقتصاد والعمران. ومن الناحية الثقافية، يرسخ الهوية، ويمنح المجتمع نقطة ارتكاز رمزية حين يقف الزائر أمام قصر الحصن أو المعالم التاريخية في مدينة العين، فهو يرى سردية وطن، وتواصل الأجيال مع جذورها، ويشعر بأن التنمية الحديثة لا تقصي الماضي، بل تتعامل معه بصفته قاعدة نبني عليها حضارتنا الحديثة»، مشيرة إلى المؤهلات العلمية والفنية التي من المفترض أن يمتاز بها مرمم الآثار، على أن لا يكون مجرد فني، بل هو مؤرخ بصري يحمل أمانة أخلاقية كبرى، والمؤهلات المطلوبة فيه تتجاوز المعرفة العلمية لتصل إلى الحس الوجودي بقيمة الأثر، وعليه أن يمتلك عيناً تقرأ تجاعيد الزمن على الجدران.
وتابعت: «إن فلسفة العمل هنا تقوم على التواضع أمام التاريخ، أي التدخل بأقل قدر ممكن لترك المجال للأثر ليتحدث عن نفسه، إيمان المرمم بأن كل ذرة رمل في قلاعنا هي جزء من الرصيد الثقافي للإمارات، هو ما يحول عمله من وظيفة تقنية إلى رسالة وطنية تحفظ للأجيال بوصلة انتمائهم. وعلينا جميعاً أن نتعامل مع الأثر التاريخي بصفته كائناً حياً معقداً، وحمايته لا يمكن أن تكون فعلاً فردياً»، مبيّنةً أن المرمم ينسق بين العلم والفن، كما أن الرسوم والكتابات ليست مجرد زينة، بل هي صوت المكان، والاستعانة بالخطاط أو الفنان ليس بهدف تجميل التاريخ أو تزييف ملامحه، لكنها بهدف إعادة الاعتبار لقيمته الجمالية دون طمس آثار الزمن.

الصدق التاريخي

وأضافت أن القاعدة الفلسفية هي الصدق التاريخي، فنحن لا نعيد اختراع الماضي، بل نثبت ما بقي منه مدركين أن النقص في الأثر أحياناً هو جزء من هيبته وقصته التي يجب أن تُحترم وتُقدر. أما عن أهمية الحفاظ على التراث من خلال تخصيص بيت للحرفيين في قصر الحصن والمعالم التاريخية في مدينة العين، فأوضحت أن تخصيص بيت للحرفيين في قصر الحصن وربطه بمعالم إمارة أبوظبي، هذه خطوة ذكية تحمي التراث بوصفه ممارسة حية لا مجرد مبانٍ صامتة، وأن المبنى يحفظ بالترميم، لكن الروح تحفظ باستمرار الحرف، مثل السدو والتلي والخوص، وصياغة الفضة والنجارة التقليدية وغيرها، هذه الحرف تعلم الأجيال لغة المكان، وتخلق اقتصاداً ثقافياً صغيراً يوازن بين السياحة والمعرفة، ويحول زيارة المواقع التاريخية إلى تجربة مشاركة وتعلم، وبذلك يصبح التراث مستداماً، ويغدو قصر الحصن وغيره من المعالم التاريخية في الدولة منصات تربوية تعيد وصل الإنسان الإماراتي بجذوره، وتذكّره أن الحداثة الأجمل هي التي تعرف كيف تحافظ على أصلها.

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©