هزاع أبوالريش
تحوَّل فرع «المجاراة الشعرية» في جائزة كنز الجيل، التي أطلقها مركز أبوظبي للغة العربية في 2021، إلى مساحة إبداعية تستعيد البعد الإنساني والإبداعي في قصائد المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، عبر تجربة شعرية تقوم على محاورة النص الأصلي، واستلهام روحه، وإعادة إنتاجه برؤى معاصرة تحافظ على جوهره الفني والقيمي. ومن خلال مجاراة إحدى قصائد الشيخ زايد في كل دورة، فتحت الجائزة المجال أمام الشعراء لخوض اختبار إبداعي دقيق يتجاوز الالتزام بالوزن والقافية إلى القدرة على التقاط الحس الإنساني والوجداني، الذي ميّز تجربته الشعرية.
وعلى امتداد خمس دورات، رسّخت «المجاراة الشعرية» حضورها بوصفها أحد أبرز فروع الجائزة الستة، وأكثرها خصوصية، حيث دفعت الشعراء إلى التعمق في عالم الشيخ زايد الشعري، وتأمل ما تحمله قصائده من قيم سامية، وصور فنية نابضة بالحياة. كما أسهمت في إحياء تقاليد شعرية عريقة تقوم على التفاعل الخلّاق بين النصوص، وتأكيد قدرة الشعر النبطي على التجدد ومواصلة حضوره في المشهد الثقافي العربي، انطلاقاً من إرث شعري لا يزال قادراً على إلهام الأجيال الجديدة، واستفزاز مخيلتها الإبداعية.
ومن خلال شهادات الفائزين في دوراتها المتعاقبة، تبدو «كنز الجيل» مشروعاً ثقافياً متكاملاً يرسِّخ مكانة أبوظبي مركزاً للإبداع، ويؤكد نجاح رؤية مركز أبوظبي للغة العربية في صون الشعر النبطي باعتباره أحد روافد الثقافة العربية، ووسيلة حيّة لنقل القيم الإنسانية والجمالية عبر الأجيال.

وأكد الشاعر عبيد بن قذلان المزروعي، الفائز بالجائزة في دورتها الأولى، أنه نشأ على سماع أشعار المغفور له الشيخ زايد بن سلطان، طيّب الله ثراه، الأمر الذي شجعه على دخول ميدان الجائزة المتفردة، والتي دفعت مكانتها الشعراء إلى الغوص في أشعار الوالد المؤسس، ودراستها والتمعن فيها بشكل أدق لفهم كل تفاصيلها.
حالة شعورية
ولفت إلى أن الشاعر، عندما يخوض تجربة المجاراة، يكون أمام قالب جاهز من حيث البحر والوزن والقافية والموضوع، ولكن تكمن الصعوبة في أن صاحب القصيدة الأصلية عبّر عن موقف أثّر فيه واستفز قريحته، بينما يواجه الشاعر الذي يجاري القصيدة تحدّي استيعاب الحالة الشعورية التي عاشها الشاعر الأول، مما قد يضعه أمام صعوبات تتعلق بالابتكار وتجنّب التكرار.
وتابع المزروعي أن الجائزة تتيح للشعراء فرصة اختبار أنفسهم، والتأكد مما إذا كانوا قد تتلمذوا في مدرسة الوالد المؤسس الشعرية بالشكل الذي يؤهلهم لخوض تجربة المجاراة، ومحاكاة المضامين الإنسانية التي تزخر بها قصائد الشيخ زايد، بما يمكنهم من المشاركة في فروع الجائزة، وتعزيز تجربتهم الشعرية، لكونها ترتبط بإرث شعري استثنائي القيمة.
وأضاف أن الجائزة تمثّل رصيداً جديداً يُضاف إلى إنجازات الشاعر، وقد تشكّل انطلاقة مهمة لمن لم يسبق له خوض هذا المضمار. وأشار إلى أنه، رغم أن هذه الجائزة ليست الأولى التي ينالها، فإنها تُعد الأكثر أهمية بالنسبة إليه، لذلك يدعو الشعراء للترشح لها، لما تمثّله من احتفاء بإرث المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وسعيها إلى إحياء فنون الشعر النبطي.

ركيزة أساسية
وأوضح الشاعر علي السبعان، الفائز بالجائزة في دورتها الثانية، أن أشعار الشيخ زايد بن سلطان تمثّل ركيزة أساسية في الوجدان العربي، فكيف بوجدان الشعراء الذين كلما قرأوا قصيدة من أشعار الوالد المؤسس وجدوا أنفسهم يقرؤون سيرة وطن بلغة قريبة من الروح. موضحاً أن مشاركته في الجائزة شكّلت اقتراباً وجدانياً من عالَم الشيخ زايد الشعري الذي يقوم على مكارم الأخلاق، ويتمسك بروح الشاعر الحقيقي بصدقٍ ونبل لأنه يريد أن يترك أثر الكلمة الوضاءة في القلب، وهذه الفكرة تحديداً شجعته على المشاركة، لأن المجاراة ليست مجاراة وزنٍ وقافية فقط، بل مجاراة روح، ومحاولة الإنصات إلى ذلك الضوء الإنساني الذي يسكن أشعار الوالد المؤسس، فما يدهش حقاً في شخصية الشيخ زايد شاعريته حتى في حديثه اليومي، وكأن اللغة عنده خُلقت لتكون أكثر رحمةً ودفئاً.
وأشار السبعان إلى أن شاعر المجاراة يجب ألا يكون مجرد مقلّدٍ أو ناقل لشاعر القصيدة الأصلية، فحين يكتب الشاعر قصيدته الخاصة يكون سيد الطرح، يختار الفكرة والإيقاع والصورة التي تشبهه، أما في المجاراة، فيدخل إلى بيتٍ شعري قائم بالفعل، وعليه أن يحافظ على روحه من دون أن يفقد صوته الشخصي، وهذه معادلة دقيقة وصعبة، فالمجاراة الحقيقية ليست تقليداً، ولا منافسة، بل حوارٌ شعري بين تجربتين، والصعوبة تكمن في الوصول إلى المستوى الجمالي للقصيدة التي تجاريها، وتتقاطع مع الفكرة والمشاعر، من دون أن تتحول إلى ظلّ، لذلك يحتاج الشاعر إلى وعيٍ لغوي، ومرونة خيال، وقدرة على إنتاج صور جديدة داخل الإطار نفسه.
وقال السبعان إن ارتباط الجائزة بقصائد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، يحمل قيمة معنوية كبيرة لأي شاعر، لشعوره بأنه ليس مكرّماً من مؤسسة ثقافية فقط، بل من إرثٍ إنساني وثقافي ترك أثراً في وجدان الخليج والعالم العربي، كما أن الجائزة على مستوى الحضور فتحت له نوافذ جديدة للتعريف بتجربته، لكنها في الوقت نفسه حملته مسؤولية أكبر، لأن التكريم الحقيقي ليس الفوز، بل القدرة على الاستمرار، وأن تظل القصيدة وفيةً للإنسان، كما كانت قصائد الوالد المؤسس، وفيةً للناس والوطن والحياة.

تجربة ثرية
وأكد الشاعر فيصل العتيبي، الفائز بالدورة الثالثة من الجائزة، أن كنز الجيل فرصة مهمة للاطلاع على التجربة الشعرية الثرية للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، لما تحمله من قيم مجتمعية أصيلة تلامس شعور المتلقي، وبالتالي تسهم في انتشار المجاراة ووصولها إلى شريحة أكبر، لافتاً إلى أن فوزه بالجائزة منحه شعوراً بالفخر والسعادة، لا يزال يعيش صداه حتى اليوم.
وتابع العتيبي: «تكمن صعوبة المجاراة في أن الشاعر لا يختار أساسيات القصيدة، بل يلتزم بما تفرضه عليه القصيدة الأصلية من وزن وقافية وموضوع، إلا أن مجاراة قصائد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان تظلّ تجربة مهمة، لما تتسم به من عمق كبير، وفي الوقت ذاته من بساطة وقرب إلى القلب».
وأكد أن الجائزة نجحت في خلق حراك إبداعي على المستويين الإقليمي والدولي، ما يجعل الشاعر الفائز بها أمام جمهور ارتفعت سقف توقعاته، الأمر الذي يفرض عليه تطوير أدواته الشعرية، وأن يكون بمستوى مكانة الجائزة وقيمتها، لما تمثله من حافز مهم للمبدعين.

قيم أخلاقية
وعلى امتداد عقود، كانت أشعار المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، محفّزاً حقيقياً لتعزيز القيم الأخلاقية في المجتمع، لكنها أضافت للشعراء بعداً آخراً، وهو مجاراة هذه الطروحات بإعجابٍ لما فيها من جماليات فنية وإبداعية، إلى ذلك، يقول الشاعر علي الحارثي، الفائز بالجائزة في دورتها الرابعة: «شاركت في الجائزة كاستجابة روحية أكثر منها تنافس شريف على جائزة قيمة، وكتعبير عن إعجاب لا متناهٍ بهذه المدرسة الشعرية بكل جمالياتها وإبداعاتها، ووفاءً لصوت لا يزال حياً في الذاكرة، لذا، إن ما تدعو إليه أشعار الشيخ زايد من مكارم الأخلاق وما تحمله من مسؤولية تجاه الوطن والشعر، سيظل الدافع الأساسي للمشاركة، والكنز الحقيقي الذي يستحق أن يُعاد بروح تليق به».