الشارقة (الاتحاد)
استهلّت مؤسّسة الشارقة للفنون برنامجها الجديد «حواريّات» بجلسة جمعت الفنان محمد كاظم مع الفنان إسماعيل الرفاعي، مدير قسم الترجمة والمحتوى العربي في المؤسّسة، مساء السبت 18 يوليو 2026، في مبنى «الطبق الطائر» بالشارقة، في حوار استعاد محطات مفصليّة من تاريخ الممارسة الفنية المعاصرة في دولة الإمارات، وأبرز تحوّلاته منذ ثمانينيات القرن الماضي، وصولاً إلى تشكّل بنية مؤسّساتية وفنية أكثر اتساعاً وتنوّعاً في العقود الأخيرة.
وفي مستهل الجلسة، قدّم الرفاعي برنامج «حواريّات» بوصفه محاولةً لإيجاد مساحةٍ تستعيد تجارب أسهمت في تأسيس المشهد الفني والثقافي في الإمارات، وتوثيقها لكونها جزءاً من ذاكرة هذا المشهد ومرجعياته. موضحاً أن البرنامج يسعى لإعادة فتح الحوار مع الفنانين والممارسين الذين شاركوا في تشكيل نواته الأولى، وربط تلك التجارب بالتحولات الواسعة التي شهدها لاحقاً على المستويين المحلي والعربي، بما يتيح قراءة جذور الممارسات الراهنة، وفي الوقت نفسه استشراف الاتجاهات والأسئلة التي يمكن أن تُشكّل مستقبل الفن المعاصر.
وانطلقت الجلسة من تجربة كاظم الشخصية بوصفها مدخلاً لقراءة تحوّلات أوسع شهدها الفن في الإمارات، بدءاً من مرحلة كانت فيها مصادر المعرفة الفنية محدودة، والتعليم الأكاديمي المتخصّص شبه غائب، وصولاً إلى واقع تتجاور فيه اليوم المتاحف والمؤسّسات الفنية و«البيناليات» والمقتنيات العامة والخاصة، وبرامج التكليف والإنتاج ودعم الأجيال الجديدة.
استعاد كاظم بداياته عام 1984، بعد سنوات قليلة من تأسيس جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، مشيراً إلى أن دخوله إلى عالم الفن لم يستند في البداية إلى خلفية أكاديمية، بقدر ما انطلق من شغف شخصي ورغبة في التعلّم. وفي تلك المرحلة، لعب الفنّانون الذين عادوا من دراستهم خارج الدولة دوراً أساسياً في نقل المعرفة الفنية وتعليم جيل جديد من الممارسين، في وقت لم تكن فيه الكتب والمراجع المتخصّصة متاحة بالقدر الكافي.
ولم يقتصر هذا الدور على الفنانين الإماراتيين كحسن شريف وحسين شريف، إذ أشار كاظم إلى أسماء من بينها فاروق خضر من السودان، وياسر دويك من فلسطين، ممن أسهموا جميعاً في توسيع أفق المعرفة الفنية لدى جيل شاب كان يبحث عن مصادر جديدة للتعلم والتجريب. كما توقّف عند الدور الذي أدّاه حسن شريف في ترجمة النصوص الفنية من اللغات الأجنبية ونشرها في الصحف المحلية، بما أتاح تداول أفكار ومفاهيم لم تكن متوفّرة آنذاك بسهولة في المكتبات والمؤسسات التعليمية.
ومن هذه البدايات، انتقل الحوار إلى التحولات التي طرأت على ممارسة كاظم نفسها، من الاشتغال المبكّر على اللوحة ودراسة بنية الشكل والتكوين، إلى إعادة النظر في طبيعة العمل الفني وعلاقته بالمكان والصوت والحركة والذاكرة. وشكّل عمله «صور مع أعلام» واحداً من المفاصل التي استعادتها الجلسة، بوصفه مثالاً على انتقال الفنان من تمثيل المشهد إلى التفاعل المباشر مع البيئة المحيطة.
أُنجز العمل انطلاقاً من أعلام كانت شركات الإنشاء تضعها في منطقة الممزر لتحديد مواقع مرتبطة بأعمال التطوير العمراني، وبينما تحوّلت هذه العلامات البسيطة إلى عنصر بصري داخل العمل، أصبحت أيضاً شاهداً على التغير المتسارع في جغرافيا المدينة، إذ توسّع العمران وامتدّ، بحيث لم يَعُد كثير من معالم المشهد الأصلي قائماً بالصورة نفسها.
ومن هذه التجربة، اتّسع النقاش ليشمل علاقة الممارسة الفنية بالتحولات الاجتماعية والجغرافية التي شهدتها الإمارات. فالمكان، في تجربة كاظم، لم يظهر باعتباره خلفية محايدة للعمل، وإنما مادة متحركة تتبدل باستمرار، وتفرض على الفنان إعادة النظر في أدواته وفي طريقة فهمه للزمن والذاكرة والمدينة.
وتوقّف كاظم عند سلسلة «الخدوش» التي طوّرها انطلاقاً من خبرته مع الرسم واللوحة، لكن ضمن مقاربة تجاوزت سطح العمل ثنائي الأبعاد. فقد شكّل الصوت الناتج عن فعل الخدش جزءاً أساسياً من التفكير في هذه الأعمال، في محاولة لتحويل ما يُسمع إلى أثر يمكن رؤيته. وبذلك لم يكن الانتقال من الرسم إلى الممارسة «المفاهيمية» قطيعة مع اللوحة، بقدر ما كان امتداداً لأسئلتها عبر وسائط جديدة، انتقلت فيها العلاقة بين اللون والشكل إلى شكلٍ أكثر تعقيداً بين الصوت والمادة والحركة والفراغ.
وشكّل تاريخ بينالي الشارقة محوراً رئيسياً آخر في الجلسة، حيث استعاد الحوار انطلاقته عام 1993، والتحولات التي طرأت عليه خلال العِقد التالي، والدور الذي لعبته المبادرة الثقافية في الشارقة منذ تلك المرحلة، والإسهامات التي قدّمها عدد من المثقفين والممارسين في تنظيم الندوات وإنتاج وترجمة النصوص النظرية المصاحبة للبينالي.
ومع مطلع الألفية الجديدة، دخل البينالي مرحلة مختلفة أسهمت في إعادة صياغة علاقته بالفنانين وبآليّات إنتاج الأعمال. وتوقّف كاظم عند التحول الذي رافق عودة سمو الشيخة حور القاسمي رئيس مؤسّسة الشارقة للفنون من دراستها في المملكة المتحدة، وما تبعه من توسيع للدور التقييمي، والانتقال نحو زيارات الفنانين وتطوير مشاركتهم الفردية وتكليفهم بإنتاج أعمال جديدة، إلى جانب بناء فِرق متخصّصة تعمل مع الفنان في مختلف مراحل تطوير المشروع. وهو ما أدّى لتحول المشهد من الاعتماد على حدث يقام مرة كل عامين إلى بنية مؤسّساتية تعمل على مدار السنة، تضم المعارض والبرامج والبحوث والنشر والتعليم والإنتاج الفني، وتستند إلى فِرق من القيّمين والمحرّرين والكتاب والمتخصّصين.
وانطلاقاً من هذه النقطة، تناولت الجلسة اتّساع الخريطة الثقافية في دولة الإمارات، وما شهدته خلال العقود الماضية من تأسيس متاحف ومؤسسات ومجموعات فنية وبرامج دعم وإنتاج، إلى جانب حضور البيناليات وأسواق الفن ومشاريع الفن العام. غير أن هذا التطور، يضع في المقابل مسؤولية إضافية على الفنانين، ولا سيما الأجيال الجديدة، لتطوير ممارسات قادرة على الاستجابة لهذه البيئة المتغيرة، من دون الاكتفاء بإنتاج أعمال مرتبطة بالمناسبات والفعاليات.
وشدّد كاظم في هذا السياق على أهمية الاستمرارية في الممارسة الفنية، معتبراً أن الفنان لا يمكن أن ينتظر حدثاً أو معرضاً كي يبدأ في إنتاج الأفكار، إذ تقوم الممارسة على تراكم مستمر، وعلى إبقاء المسافة بين فكرة وأخرى مفتوحة أمام البحث والتجريب. وعلى الرغم من وفرة الإمكانات والدعم، مقارنةً بالمراحل السابقة، فإن وجود البنية التحتية وحده لا يكفي من دون شغف وممارسة حقيقية ومتواصلة.
وفي جانب آخر من الجلسة، استعاد كاظم تجربته مع الأعمال التي تعتمد على تقنيات وأحجام إنتاجية كبيرة، موضحاً أن الفكرة الفنية تبدأ غالباً من الرسم والمخططات الأولية قبل أن تدخل في مراحل هندسية وتقنية أكثر تعقيداً. وأشار إلى أن بعض أعماله تطلّبت تعاوناً مع فِرق متخصصة لتنفيذ مشاريع يصل طولها إلى عشرات الأمتار ووزنها إلى أطنان عدة، في تأكيد على أن العمل الفني المعاصر يمكن أن يكون نتيجة شبكة من الخبرات المتكاملة، مع بقاء الفكرة والرؤية في صُلب مسؤولية الفنان.
وامتدّ حضور المكان في تجربة كاظم إلى حديثه عن عمل «اتجاهات»، الذي انطلق من استخدام أجهزة تحديد المواقع ومن تجربة شخصية عاشها في البحر، حين وجد نفسه وسط فضاء مفتوح لا يحدّه سوى الأفق الممتد في جميع الجهات، فمن خلال هذه التجربة، تحوّلت أداة وظيفية مرتبطة بالملاحة إلى مدخل للتفكير في موقع الإنسان، وفي علاقته بالاتجاه والزمن والحيّز المحيط.
قدّمت الجلسة، عبر هذه المحاور، قراءة للمشهد الفني الإماراتي، لا بوصفه نتيجة تحوّلات مؤسساتية منفصلة عن التجارب الفردية، وإنما باعتباره حصيلة تفاعل طويل بين الفنانين والمعلّمين والمترجمين والقيّمين والمؤسّسات والمبادرات الثقافية. كما أظهرت أن الانتقال من البدايات المحدودة في مصادرها وإمكاناتها إلى المشهد الواسع القائم اليوم لم يكن تحوّلاً آنياً، بل مساراً تراكمياً تشكَّل عبر التجريب والحوار وتطوير البنى الداعمة للإنتاج الفني.