الأحد 13 سبتمبر 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

رئيس مركز أبوظبي للغة العربية لـ «الاتحاد»: «أبوظبي الدولي للكتاب».. منصّة عالمية للحوار الحضاري والنشر الإبداعي

د. علي بن تميم
13 سبتمبر 2026 17:27

هزاع أبو الريش (أبوظبي)
أكد الدكتور علي بن تميم، رئيس مركز أبوظبي للغة العربية، أن الدورة الخامسة والثلاثين من معرض أبوظبي الدولي للكتاب 2026، الذي ينظّمه المركز التابع لدائرة الثقافة والسياحة بأبوظبي، تتميز عن الدورات السابقة بنجاح المعرض في التحول من المفهوم التقليدي لمعارض الكتب، ليصبح اليوم محركاً استراتيجياً لاقتصاد المعرفة والحوار الحضاري. 
وأضاف أن مرتكزات المعرض لهذا العام، بما تحمله من رسائل وأهداف، تتجلى في اختيار «ثقافة البلقان» ضيف شرف للدورة الحالية، بالتعاون والشراكة مع جمهورية شمال مقدونيا، واختيار العالم الكبير الخليل بن أحمد الفراهيدي شخصيةً محورية، ورواية «دون كيخوته» كتاباً للعالم.
وأشار إلى أن هذه الدورة ستشهد انضمام مبادرة «أعلام الإمارات» إلى تلك المرتكزات، وهي مبادرة تنطلق من فكرة جوهرية، مفادها أن التحولات الثقافية الكبرى لا تُقرأ من خلال المؤسسات والمنجزات وحدها، بل من خلال سِير الأشخاص الذين أسهموا في صناعتها، والظروف التي تشكّلت فيها تجاربهم، والأفكار التي حملوها، والمبادرات التي أطلقوها، والأثر الذي تركوه في المجتمع.
وتسعى المبادرة إلى الانتقال بالسيرة الثقافية من إطار الاحتفاء إلى مجال التوثيق، ومن الذكرى إلى المعرفة، ومن التجربة الفردية إلى الذاكرة الجمعية. كما يطمح معرض أبوظبي الدولي للكتاب، من خلال مبادرة «أعلام الإمارات»، إلى بناء سردية متكاملة للمشهد الثقافي الإماراتي، تستعيد مسارات الشخصيات ذات الحضور المؤثّر في الأدب والإعلام والفكر والفنون، والعمل الثقافي والمؤسّسي، وتضع تجاربها في سياق التحولات التي شهدتها دولة الإمارات منذ قيام الاتحاد عام 1971، بما يتيح قراءة تطور الحياة الثقافية الإماراتية عبر مساراتها البشرية والمؤسسية والفكرية. 

  • شعار معرض أبوظبي الدولي للكتاب
    شعار معرض أبوظبي الدولي للكتاب

وتابع: «وتنفرد هذه الدورة، للمرة الأولى في تاريخ المعرض، بإطلاق حفل افتتاح يتضمن أعمالاً غنائية وطنية، وعرضاً مسرحياً مبتكراً مستوحى من إرث الفراهيدي، احتفاءً بمسيرة الحدث الممتدة وإنجازاته على مدى 35 دورة، والدور الاستراتيجي المحوري الذي يضطلع به المعرض في تعزيز الثقافة والصناعات الإبداعية المتمحورة حول الكتاب والترجمة والنشر والتحول الرقمي. كما تكتسب هذه الدورة أهمية مجتمعية خاصة لتزامنها مع إعلان دولة الإمارات عام 2026 «عام الأسرة»، إذ يُعدّ المعرض أحد أهم الأنشطة في أبوظبي لترسيخ القراءة المستدامة كقيمة أساسية لبناء أسرة تجمعها المعرفة في مجتمع متماسك». 

مواكبة العصر 

وأضاف: «ويواصل المعرض مسيرته النوعية في إنتاج المعرفة، والتحوّل إلى ملتقى لصنّاع القرار الثقافي والناشرين والمترجمين من مختلف دول العالم، بوصفه منصّة دولية كبرى تستقطب عارضين من نحو 95 دولة، انضمت إليها سبع دول جديدة تُمثل الثقافة اللاتينية وهي: الأرجنتين، وفنزويلا، وكولومبيا، وكوبا، والإكوادور، وبيرو، إضافة إلى كوسوفو التي تُمثّل الشرق الأوروبي بثقافتها. ويؤكد هذا الإقبال الدولي الكبير نجاح المعرض المستمر في استقطاب المزيد من الدول والثقافات في كل دورة جديدة، وتحويله الثقافة إلى قطاع إنتاجي يرفد السوق الإقليمية بمحتوى فكري متجدّد ومواكب للعصر». 
وفي الوقت ذاته، يستقطب المعرض الاستثمارات في الصناعات الإبداعية، ويوفّر منصات دعم احترافية ومهنية للناشرين العرب والشباب، تُسهّل تبادل حقوق النشر والترجمة، وبناء شراكات دولية، بما يعزّز التكامل بين الفكر والاستثمار في البنية التحتية الثقافية لأبوظبي، ويجعل منها مركزاً رئيساً لإنتاج المعرفة، وبناء اقتصاد ثقافي فكري يخدم الأجيال المقبلة، وعاصمة مستدامة مؤثرة في مجتمع المعرفة العالمي. 
وأوضح أنه تم اختيار شعار «لنقلب الصفحة ونقرأ العالم» ليعكس ثراء وعمق الحضور الذي اكتسبه معرض أبوظبي الدولي للكتاب خلال مسيرته المتميزة، بهدف تسليط الضوء على فكرة الانفتاح على الآخر، وتجاوز الحدود الجغرافية عبر بوابة الكتاب. فالشعار يركّز على تحويل القراءة من فعل فردي إلى أداة لمدّ جسور التواصل بين الشعوب، واستكشاف الثقافات المتنوعة وفهمها بعمق، دعماً لقيم التسامح والتعايش. 
ويقدم هذا الشعار للفكر والثقافة والإنسان دعوة صريحة لتوسيع المدارك، وتجديد الوعي البشري عبر الاطّلاع على نتاج الحضارات المختلفة، فهو لا يحثّ على قراءة الكتب فحسب، بل يدعو الإنسان إلى قراءة العالم بمختلف أطيافه، مما يسهم في بناء عقلية منفتحة واعية تدرك القواسم الإنسانية المشتركة، وتثري الحوار الثقافي العالمي. 
ولفت إلى دور المعرض في ظل التطورات الرقمية والوسائل الحديثة، قائلاً: «نحرص على أن يواكب المعرض مختلف التطورات الرقمية عبر دمج التكنولوجيا المتطورة في صناعة النشر، إذ شهد المعرض توسعاً كبيراً في قطاعات النشر الرقمي، والكتب الصوتية، والتطبيقات التفاعلية المدعومة بالذكاء الاصطناعي لتسهيل الوصول إلى المحتوى. كما أوجد حلولاً مبتكرة جعلت من تجربته الناجحة نموذجاً مثالياً في تطويع هذه الوسائل الحديثة كأدوات مكملة للكتاب الورقي وليست بديلة عنه، مما يضمن استمرارية جاذبية القراءة للأجيال الجديدة». 
وبيّن أن المعرض يقدم في هذه الدورة منصات رقمية متطورة تتيح للناشرين والجمهور تجارب افتراضية فريدة، إلى جانب برنامج مهني يشمل جلسات تدريبية وورش عمل متخصصة في مستقبل صناعة النشر، وحماية الملكية الفكرية الرقمية، بإشراف متخصصين في التكنولوجيا الحديثة وخبراء في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، مؤكداً أن هذا التوجه يمنح القراء وصنّاع المحتوى حلولاً مبتكرة لتداول المعرفة، ويحوّل التحدي الرقمي إلى فرصة حقيقية لانتشار الثقافة العربية عالمياً بشكل أسرع وأوسع. 
وحول اختيار ضيف شرف هذه الدورة، وما تعزّزه هذه الاستضافة، أشار إلى أن اختيار «ثقافة البلقان» يعزّز بناء جسور متينة للتواصل الثقافي والحوار الحضاري بين العالم العربي ومنطقة جنوب شرق أوروبا، التي تتميز بتنوعها الفريد ومزيجها الشرقي الغربي، مما يتيح للجمهور العربي فرصة استكشاف ثراء ثقافة البلقان من آداب وفنون وتقاليد، والتعرف عن قرب على جمهورية شمال مقدونيا والمشتركات التاريخية والإنسانية التي تربط بين الثقافتين على مر العصور. 
وأوضح أن هذا التعاون يفتح آفاقاً جديدة للتبادل الفكري والمهني عبر ترجمة الأعمال الأدبية المتبادلة، وتوقيع اتفاقيات تعاون بين الناشرين والمؤسسات الثقافية من الطرفين، بما يمنح صنّاع الثقافة منصّة عالمية تُسلّط الضوء على التراث الأدبي الغني للمنطقة وإرثها الثقافي وإنجازاتها الفكرية وتعبيراتها الإبداعية المعاصرة، من خلال فعاليات حية، وندوات حوارية، وعروض فنية، ومخطوطات نادرة، ومعروضات ثقافية ترسّخ قيم التسامح والتنوع الثقافي.
وتابع قائلاً: «وأودُّ في هذا السياق أن أتوجّه بالشكر الجزيل لعبد القادر ميميدي، سفير جمهورية شمال مقدونيا لدى دولة الإمارات، على ما بذله من جهود حثيثة لتسهيل الاحتفاء بثقافة البلقان، والشراكة مع جمهورية شمال مقدونيا كضيف شرف لمعرض أبوظبي الدولي للكتاب، لتمثيلها بما يليق بمكوناتها الحضارية المتفردة، تأكيداً على ما يجمع بيننا من إعلاء لقيم الثقافة والفنون والآداب في الحوار الحضاري بين شعوب العالم».  

  • الشخصية المحورية
    الشخصية المحورية

الفراهيدي.. الشخصية المحورية 

وحول اختيار الشخصية المحورية لهذه الدورة، أوضح أن الخليل بن أحمد الفراهيدي عالم موسوعي، جمع بين علوم اللغة والنحو، والعروض، والموسيقى، فضلاً عن كونه شاعراً متميزاً. وأضاف أنه وضع مناهج للبحث العلمي وابتكر طرقاً في التصنيف ألهمت العالم، فهو واضع علم العروض الذي أرسى الأسس الموسيقية للشعر العربي، ومؤلف «كتاب العين» أولِ معجم لغوي علمي متكامل في التاريخ، ومبتكرِ علامات التشكيل الحالية «الفتحة والضمة والكسرة» لضبط نطق الكلمات بدقة. وقد تتلمذ على يديه الكثير من أعلام العربية، ومن أبرزهم سيبويه، والأصمعي.

كتاب «دون كيخوته».. كتاب للعالم 

وعن اختيار رواية «دون كيخوته» كتاباً للعالم في المعرض، قال: «يتيح هذا الخيار إطلاق حراك فكري وثقافي نوعي، فرائعة الأديب الإسباني ميغيل دي ثيربانتس تقدم للقراء والزوّار فرصة فريدة لإعادة قراءة هذا العمل الكلاسيكي الخالد وتحليله من منظور معاصر، عبر جلسات نقاشية وندوات نقدية تتناول العمل خارج الإطار التقليدي لعرض الكتب، وتتجاوزه إلى تحفيز التفكير النقدي والحوار الحي بين الجمهور والنخبة الفكرية، إضافة إلى تقديم عروض فنية متنوعة تناسب أشكال التلقي الحديثة». 
وتُشكّل رواية «دون كيخوته» علامة فارقة في تاريخ تطور السرد الروائي ألهمت الأدباء والفلاسفة والمؤرخين والنقاد، إذ تُجسّد النقلة المعرفية التي شهدتها مسيرة الحضارة الإنسانية، وتؤسّس لملامح التفكير النقدي، وتفتح للأدب باباً واسعاً لمناقشة قضايا الواقع بهدف الارتقاء به. لذا صُنّفت الرواية ضمن روائع الأدب العالمي الأربع إلى جانب: إلياذة هوميروس، والكوميديا الإلهية لدانتي، وفاوست لغوته، وما زالت بعد مرور أربعة قرون غنية صالحة للتأويلات العصرية. 
ولا شكّ في أن هذا التنوع الثقافي يصبُّ في عمق رسالة المعرض الهادفة إلى إثراء الوعي الإنساني، عبر التأكيد على أن الآداب الإنسانية الكبرى ملك للبشرية جمعاء وتتخطى حدود الزمان والمكان. وبذلك يجسّد الجمع بين ثقافة البلقان، بالتعاون والشراكة مع جمهورية شمال مقدونيا، والفراهيدي، ورواية «دون كيخوته»، المعنى الحقيقي لشعار المعرض في تكريس قيم التلاقي الحضاري والفكري، والفهم المتبادل بين الشرق والغرب. 
ولفت إلى أن المعرض يؤدي دوراً محورياً في دعم مستقبل اللغة العربية، عبر إطلاق مبادرات تعزّز حضورها في المحتوى الرقمي، ودعم مشاريع الترجمة منها وإليها، فضلاً عن تمكين الجيل الجديد من تذوق جمالياتها ومواكبة علومها من خلال الأنشطة التفاعلية، لتتجلى اللغة العربية في معرض أبوظبي الدولي للكتاب بمرونتها وقدرتها على استيعاب العلوم الحديثة. 
وأكد حرص الحدث على تعزيز مفهوم المعارض الثقافية الشاملة، باحتضان هذه الدورة لأكثر من 1500 فعالية متنوعة تُعنى بالضاد، عبر برنامج نوعي يغطّي ثلاثة محاور رئيسية هي: الثقافة العالمية والحوار الحضاري، والابتكار وصناعة المستقبل، والفنون والتجارب الثقافية الحية. وتتوزع هذه الأنشطة بين برامج ثقافية، وتعليمية، ومهنية، وفنية، بالإضافة إلى برامج الأطفال والناشئة، التي تنبثق عنها جلسات وندوات وورش عمل تدعم المواهب الشابة وتحفّزها على الإبداع في مجالات اللغة العربية. 
وبذلك يؤكد المعرض هذا العام حضوره منصةً عالمية لرسم ملامح النشر الحديث، عبر تبنِّي تقنيات الذكاء الاصطناعي، وحماية الملكية الفكرية، والاستثمار في المواهب الإبداعية الشابة، ضماناً لاستدامة القطاع الإبداعي وجعله رافداً قوياً للنمو المعرفي على المستوى الدولي. 

جائزة الشيخ زايد للكتاب.. 20 عاماً من الإلهام 

وحول الاحتفاء بجائزة الشيخ زايد للكتاب، أوضح أن المعرض يحتفي هذا العام بمرور عشرين عاماً على تأسيس الجائزة، ويكرّم الفائزين في دورتها العشرين، اعتزازاً بإنجازاتها الثقافية على مدى عقدين من الزمن، واصلت خلالهما دعم الكتّاب والمبدعين والمترجمين، وتعزيز حركة التأليف وصناعة الترجمة على نطاق عالمي. وأشار إلى أن برنامج المعرض في دورته الخامسة والثلاثين يتضمن مبادرات جديدة ومبتكرة، منها مبادرة «عالم قصتي» التي تدعم المواهب وتحفّزها في مجالات الكتابة الإبداعية، وبرنامج «ليالي الشعر» الذي يجمع بين الأمسيات الشعرية والجلسات النقدية، بهدف صقل مهارات الشباب الإبداعية والنقدية. 
وأكد أن هذه الإضافات لا تكتفي بتشجيع الإبداع واستعراض النتاج الأدبي فحسب، بل توفّر بيئة حاضنة للموهوبين لتمكينهم من أدوات النشر الحديث، مما يضمن مواكبتهم للتحولات الثقافية العالمية التي تقودها أبوظبي، بوصفها مركزاً رائداً لإنتاج المعرفة والصناعات الإبداعية، وجسراً حياً للحوار الحضاري بين شعوب العالم.

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©