الشارقة (الاتحاد)
اختتم مكتب التراث العالمي، التابع لهيئة الشارقة للآثار، ورشة عمل «ترميم المباني التاريخية»، التي نظمها خلال الفترة من 22 إلى 24 سبتمبر الجاري، في المبنى الرئيسي للهيئة بمنطقة حلوان، بهدف تعزيز القدرات الفنية والمهنية للكوادر المعنية بالحفاظ على المباني التاريخية، وتطوير فهم مشترك للمعايير والمنهجيات التي تحكم أعمال الترميم والحفاظ.
واتخذت الورشة من مبنى «محطة الشارقة الجوية» دراسة حالة لمناقشة المبادئ التوجيهية لاختيار منهجيات الترميم وتطبيقاتها انطلاقاً من كون هذا المبنى إرثا تاريخياً مهما تنفرد به إمارة الشارقة وتتولى صونه. وربطت الورشة الجوانب النظرية بالتحديات والاعتبارات التي تواجه الجهات المعنية عند التعامل مع المباني ذات القيمة التاريخية.

واستهدفت الورشة المهندسين والمتخصصين والمعنيين بأعمال الترميم والحفاظ في هيئة الشارقة للآثار، ودائرة الأشغال العامة وهيئة تطوير المبادرات «مبادرة» والهيئات ذات العلاقة، وشارك في تقديمها الدكتور علاء الحبشي، خبير الحفاظ والترميم وخبير التراث العالمي، إلى جانب خبراء من مكتب التراث العالمي بالهيئة.
وتأتي الورشة ضمن جهود المكتب لتعزيز المعرفة المتخصصة والتنسيق بين الجهات المعنية بالحفاظ على التراث في الإمارة، بما يسهم في رفع جودة القرارات والتدخلات المرتبطة بالمباني والمواقع التاريخية، والحفاظ على قيمها وسماتها على المدى الطويل.
وركزت الورشة على أهمية الاعتماد على الدراسات التاريخية المعمّقة والتحليلات الإنشائية الدقيقة عند اختيار منهجية الترميم، والاستناد إلى مبادئ توجيهية ومعايير تطبيقية واضحة. كما بحثت كيفية الحفاظ على القيمة التاريخية والمعمارية للمباني التي ما زالت قيد الاستخدام، وتلبية احتياجاتها الوظيفية المعاصرة دون المساس بأصالتها أو الإضرار بالنسيج العمراني المحيط بها. ويعكس ذلك الهدف الأساسي للورشة في الربط بين الدراسات التاريخية والتحليل الإنشائي والمنهجيات المعتمدة دولياً قبل الانتقال إلى مراحل التنفيذ.

منظومة متكاملة للحفاظ على التراث الثقافي
وقال عيسى يوسف، مدير عام هيئة الشارقة للآثار: «إن الحفاظ على المباني والمواقع التاريخية لا يرتبط بمعالجة عناصرها الإنشائية فحسب، بل يتطلب منظومة متكاملة من المعرفة والخبرة والقدرة على اتخاذ القرار المناسب، انطلاقاً من فهم قيمة كل موقع وخصائصه وسماته. ومن هنا، تأتي أهمية بناء كوادر وطنية متخصصة تمتلك المعرفة بالمعايير الدولية والقدرة على تطبيقها بما يراعي خصوصية كل موقع ويحافظ على أصالته وقيمته للأجيال القادمة»، مضيفاً "«تمثل هذه الورشة خطوة في تعزيز مرجعية مهنية مشتركة بين الجهات المعنية بالحفاظ على التراث الثقافي في الشارقة، بما يدعم تكامل الأدوار وتبادل الخبرات وتطوير فهم مشترك للمبادئ التي تحكم التعامل مع المواقع التاريخية. ونسعى من خلال هذا النهج إلى ترسيخ المعرفة المتخصصة ضمن الممارسة المؤسسية، بما يدعم جودة القرارات المتعلقة بالحفاظ والترميم، ويعزز قدرة الجهات المعنية على حماية المواقع ذات القيمة التراثية وإدارتها على المدى الطويل وفق المعايير والممارسات الدولية ذات الصلة».
معايير الحفاظ والترميم
وخُصص اليوم الأول لدراسة الوضع الراهن وتحديد الاحتياجات الفنية للمباني التاريخية في الشارقة، بدءاً باستعراض متطلبات الترشيح لقائمة التراث العالمي، ومفهومَي الأصالة والسلامة، والسمات المادية في سياق التراث المعماري والحضري، بالإضافة إلى استعراض أعمال ومشاريع الحفاظ والترميم التي تنفذها دائرة الأشغال العامة في الشارقة، ومناقشة أنواع الأعمال والتدخلات المندرجة ضمن هذه المشاريع، والمنهجيات والتقنيات المستخدمة، وأبرز التحديات الهندسية والعملية المرتبطة بها.
كما سلّط برنامج الدورة الضوء على مواثيق الحفاظ الدولية، ومظاهر الأصالة، والقيم التراثية وسبل إبرازها، وآليات تطبيقها في تقارير حالة المواقع ومخططات إدارة مواقع التراث الثقافي.
الترميم ومتطلبات الاستخدام
وعمل المشاركون، خلال اليوم الثاني، على دراسة منهجيات الترميم وإعادة التأهيل للمباني التاريخية، بما يشمل أساليب الاستكمال والتبديل والإضافة، والتدعيم الإنشائي، ومواءمة البنية التحتية الحديثة مع القيم التراثية للمبنى.
كما تناول اليوم الثالث الاحتياجات المستقبلية للمباني التاريخية، بما يشمل الصيانة والحفاظ، إلى جانب مناقشة مقترح لتوظيف النمذجة التراثية الذكية (HBIM) في دعم إدارة عناصر المباني وسماتها التراثية.
واختُتمت الورشة بصياغة توصيات لتعزيز التعاون بين الجهات الشريكة في مجال الحفاظ على المباني التاريخية وإدارتها.
مكتب التراث العالمي
ويختص مكتب التراث العالمي بهيئة الشارقة للآثار بتطوير وإدارة ملفات ترشيح المواقع ذات القيمة العالمية الاستثنائية في الإمارة، ومتابعة المواقع المدرجة على قائمة التراث العالمي والقائمة التمهيدية، وإعداد خطط إدارتها وحمايتها وصونها والتقارير الدورية المتعلقة بها. ويشمل عمله تطوير السياسات والأنظمة المرتبطة بإدارة هذه المواقع والحفاظ عليها، والتنسيق مع الجهات المعنية بشأن اشتراطات التخطيط العمراني في محيطها، وإجراء دراسات تقييم الأثر التراثي للمشاريع التطويرية.
كما يُعدّ المكتب قواعد بيانات رقمية وسجلات توثيقية تدعم الرصد واتخاذ القرار، ويتعاون مع اليونسكو ومركز التراث العالمي والمنظمات الدولية المتخصصة لتبادل الخبرات وبناء القدرات، وينفذ برامج توعوية بأهمية التراث العالمي. ويشرف المكتب، بالتنسيق مع اللجنة العلمية لموقع الفاية للتراث العالمي، على منحة الفاية للبحوث، وهي منحة دولية أُطلقت باسم حكومة الشارقة بإجمالي مليوني درهم.