أبوظبي (الاتحاد)
«القلافة» واحدة من أهم الحِرف التقليدية التي أسهمت في تشكيل ملامح الحياة البحرية في دولة الإمارات ودول الخليج. فقد كانت السفن الخشبية، قبل عقود طويلة، العمود الفقري للحياة الاقتصادية والاجتماعية، إذ اعتمد عليها الأهالي في التنقل ونقل البضائع والركاب، وفي رحلات الغوص بحثاً عن اللؤلؤ، وفي التجارة عبر الموانئ الممتدة على طول الساحل. لم تكن هذه المهنة مجرد عمل يدوي، بل منظومة متكاملة تحفظ هوية المجتمع وترتبط بذاكرة المكان وإيقاع البحر.

القلاف محمد اللوغاني، ارتبط بالبحر منذ طفولته، ويقول: «القلافة» تتطلّب الصبر والدقة، وكانت تشكِّل شريان الاقتصاد البحري، والقلاف يصنع السفينة بما يلائم حاجة التاجر أو النوخذة. وقد تنوّعت السفن التقليدية منها، «الجالبوت» المخصَّص للغوص، يحمل العشرات من الغواصين والبحارة، و«البوم» المستخدم في تجارة المسافات الطويلة، و«السنبوق» الذي يلائم مهن الصيد، وغيرها من المحامل التي صارت جزءاً أصيلاً من الحياة اليومية على الساحل.
صناعة السفن
يروي اللوغاني ذكرياته، قائلاً: كنت أرافق والدي وجدي إلى الساحل، وأقف مدهوشاً أمام تلك السفن العملاقة وهي تطفو على الماء على الرغم من ثقلها. كنت أسأل جدي عن سر ذلك، ويقول: السر كله في الألواح الخشبية المتلاصقة، فهي التي تمنح السفينة توازنها وتساعدها على الطفو. هذا الفضول الطفولي كان بداية رحلة طويلة نحو إتقان أسرار الصناعة الخشبية.
نهل اللوغاني خطوات العمل من والده خطوة بخطوة، بدءاً من مرحلة «البيص»، ثم «الوادره» و«الشافتو»، وتركيب «الميول» و«المالج» و«اللوح» و«الدقل»، وصولاً إلى طلاء السفينة بـ «الصل» و«الدامر» لمنح الخشب القدرة على مقاومة الماء والملوحة. ويقول: تعلّمت أن كل قطعة خشب في السفينة لها روح، وأن السفينة لا تُبنى على عجالة، وأن القلاف يصنعها بمحبة.
نماذج مصغرة
اختار اللوغاني أن يحمي الذاكرة بطريقته الخاصة، قائلاً: توجّهت إلى صناعة نماذج السفن التقليدية، لأقدم للأجيال صورة حيّة عن تاريخ السفن الإماراتية. وصنع نماذج دقيقة لـ «البوم»، و«الجالبوت» الذي كان يستوعب ما بين 35 و75 شخصاً، إلى جانب «البقارة» التي عُرفت بخفتها وقدرتها على المناورة. وهذه النماذج لم تكن مجرد تحف فنية، بل روايات مصغرة تختصر تاريخ البحر.
فعاليات ومهرجانات
بدأت مشاركات اللوغاني في المهرجانات التراثية عام 2003، ووجد تشجيعاً كبيراً من المؤسسات الثقافية في الدولة، فاستمرت أنشطته وازدادت خبرته. ومع مرور الوقت، وصلت أعماله إلى منصات عالمية، إذ عُرضت نماذجه في متحف اللوفر بباريس، كما قدّم عروضاً حيّة في متحف الشارقة البحري وفي وزارات ومراكز ثقافية دعمت رسالته في الحفاظ على الهوية البحرية.
برنامج تراثي
يرى محمد اللوغاني، أن «القلافة» مسؤولية وطنية، مؤكداً: نحن لا نصنع خشباً فقط، بل نُحيي جزءاً من تاريخ الإمارات، ولذلك أطلق برنامج «النالية»، أي الخريطة البحرية، ليعرِّف طلبة المدارس على أنواع السفن ودورها في التجارة والغوص والصيد، ويغرس فيهم حب التراث البحري. ويواصل اللوغاني مهمته بإيمان عميق كرسالة تتجاوز حدود الحِرفة، وتؤكد أن التراث حين يُصان، يبقى حيّاً في وجدان الأجيال.