دينا محمود (لندن)
كشف مسؤولون ودبلوماسيون غربيون النقاب عن أن الولايات المتحدة وحلفاءها، يستعدون الآن لإمكانية إقامة حكومة أوكرانية في المنفى، حال نجاح القوات الروسية في السيطرة على كييف، وذلك وسط توقعات بأن تتمكن موسكو خلال أسابيع، من تجاوز العقبات التي حالت في الفترة الأولى من القتال، من دون تحقيقها مكاسب كبيرة على الأرض.
وأشار هؤلاء إلى أنه من المرجح، في ظل هذا السيناريو، أن يضطلع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بدور محوري في أي تمرد طويل المدى ضد القوات الروسية، وذلك في ضوء قدرته على الحفاظ على الروح المعنوية لمواطنيه، وحشدهم لدعم أي حرب عصابات محتملة.
وحتى هذه اللحظة، يؤكد المسؤولون الأوكرانيون أن زيلينسكي، الذي يعتبر نفسه «الهدف رقم 1 لروسيا»، لا يزال في كييف ولا يعتزم مغادرتها، رغم أنه أجرى مباحثات مع مسؤولي إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، حول ما إذا كان يتعين عليه الانتقال إلى موقع أكثر أمناً في مدينة لفيف الواقعة غربي بلاده والقريبة من الحدود مع بولندا.
ويشير مسؤولون في كييف، إلى أن لدى الحكومة خططاً جاهزة لنقل زيلينسكي وأعضاء حكومته بسرعة إلى خارج العاصمة، ولكنه يرفض ذلك حتى هذه اللحظة. كما أكد مستشارو الرئيس الأوكراني، أن الحكومة تستعد للدفاع عن كييف لا الهروب منها.
لكن مسؤولين أميركيين وأوروبيين يقولون، إن الحرب لم يمر عليها حتى الآن سوى أسبوعين، وأن من الممكن أن ينجح الجيش الروسي خلال الأسابيع المقبلة، في التغلب على المشكلات اللوجيستية، التي عرقلت تقدمه حتى الآن، وتجاوز المقاومة الأوكرانية التي لا تزال شرسة.
وأدت هذه المقاومة، إلى ألا تشرع الدول الغربية حتى هذه اللحظة، في مناقشة الخطط التفصيلية الخاصة، بإمكانية إقامة حكومة أوكرانية في المنفى، في ضوء أن ذلك يستند إلى التسليم بتحقيق موسكو انتصاراً عسكرياً كاملاً على الأرض، ولكن التطورات المحتملة للوضع الميداني، دفعت مسؤولي وزارتيْ الخارجية والدفاع الأميركيتيْن، بجانب وكالات أخرى تابعة لإدارة بايدن، لبحث سيناريو اضطرار حكومة زيلينسكي إلى الفرار من كييف، أو من أوكرانيا كلها.
ويقول المسؤولون والدبلوماسيون الأوروبيون إنه على الرغم من الروح البطولية للقوات الأوكرانية، فإن قدرتها على الصمود ضد الجيش الروسي ستبقى محدودة، خاصة مع تضاؤل مخزوناتها من الذخيرة، ومواصلة الجنود الروس تطويق المدن الكبرى، فضلاً عن تفوق القوات المُهاجِمة عددياً، والإنهاك الذي لحق بالعسكريين الأوكرانيين، جراء نحو أسبوعين من القتال.
ووفقاً لمسؤول أوروبي بارز، تحدث لصحيفة «واشنطن بوست» الأميركية، سيشكل قرار الأمم المتحدة الذي صدر الأسبوع الماضي وأدان الهجوم العسكري الروسي على أوكرانيا، أحد أهم أسس استمرار الاعتراف بحكومة الرئيس زيلينسكي، كحكومة شرعية لأوكرانيا، حتى إذا فقدت سيطرتها على البلاد.
وأشار دبلوماسيون أوروبيون، إلى أن الخطة التي سيتم وضعها على هذا الصعيد ستكون قابلة للتنفيذ على الفور، حتى وإن كانت لم يتم بلورتها بعد بشكل كامل، مؤكدين مثلهم مثل قادة دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) - أن سقوط كييف لن يشكل إن حدث نهاية المطاف، أو إسدال الستار على الحرب والمقاومة الأوكرانية. ومن المنتظر أن تلعب الأسلحة، التي تقدمها إدارة بايدن للجيش الأوكراني، والتي سيتواصل تدفقها على البلاد في الفترة المقبلة، دوراً حاسماً في إنجاح أي حركة تمرد محتملة، خاصة في ظل دعم الكونجرس بمجلسيْه، لإبداء الدعم لكييف، بما شمل بالفعل إقرار حزمة مساعدات إنسانية وعسكرية، تبلغ قيمتها 10 مليارات دولار.
وقال خبراء، إن خطوط إمداد الجيش الروسي، ربما ستكون من بين الأهداف، التي ستضربها المقاومة الأوكرانية خلال أي حرب عصابات، وذلك في ظل مواجهة القوات المُهاجِمة تحديات لوجستية، على رأسها نقص الوقود والغذاء.
ولكن محللين أشاروا إلى أن ثمة حذراً يسود أوساط المسؤولين الغربيين، حيال إبداء الدعم علنا، لأي حرب عصابات أوكرانية، في حالة بسط روسيا سيطرتها على كييف، وإجبار حكومة زيلينيسكي على مغادرة العاصمة، وذلك خشية أن تؤدي، إلى جر دول (الناتو) إلى مواجهة مباشرة مع الكرملين الذي قد يعتبر أي دعم للحكومة الأوكرانية، إذا ما اتخذت من دولة مثل بولندا مقراً لها في المنفى، بمثابة هجوم مباشر من جانب الحلف على روسيا.
غير أن ذلك، لن يحول على الأرجح من دون مواصلة الأوكرانيين عمليات المقاومة، كما قال مسؤول استخباراتي غربي، مشيراً، إلى أن موسكو سبق أن قللت قبل اندلاع الحرب «من قدرة أوكرانيا على المقاومة، (رغم أن الأوكرانيين كانوا من أشرس المقاتلين، في صفوف القوات السوفيتية خلال الحرب العالمية الثانية)، وهو ما يحدو لتوقع استمرار المقاومة لشهور، وربما لسنوات».
ونقلت الصحيفة عن جاك ديفين، المسؤول الاستخباراتي الأميركي المتقاعد الذي أدار من قبل حملة الـ (سي آي آيه) لتسليح ما يعرف بـ«المجاهدين الأفغان» ضد الاحتلال السوفيتي لأفغانستان، قوله إن العنصر الأول لأي حرب عصابات، يتمثل في وجود أشخاص على الأرض يريدون القتال، وهو ما يتوافر بالفعل في الوضع الراهن.
أما ريتا كوناييف، مسؤولة قسم التحليل بمركز الأمن والتكنولوجيا في جامعة جورج تاون فأشارت إلى أنه يتوجب، إقامة مخابئ آمنة لحماية سكان المدن المستهدفة من الغارات والقصف، مع الأخذ في الاعتبار أن انتقال المعارك إلى المدن، سيعطي الأوكرانيين ميزة تتمثل في معرفتهم بتضاريس أرض المعركة على نحو أكبر، بما يفتح الباب أمام إقامة الاستحكامات وتدمير الجسور على المداخل، والشروع في عمليات قنص فوق أسطح المنازل.
من ناحية أخرى، أفادت «واشنطن بوست» نقلاً عن قادة عسكريين أوكرانيين، أن عمليات التدريب في صفوف الجيش الأوكراني، بدأت تتغير للتركيز على أساليب أشبه بتلك المتبعة في حروب العصابات.