أبوظبي (الاتحاد)
أكد خبراء وباحثون أوروبيون، أن الشرق الأوسط يشهد اليوم نمطاً جديداً من الصراعات يتجاوز المواجهات التقليدية، ليتحول إلى «صراع مركّب متعدد المستويات»، تتداخل فيه الأبعاد العسكرية والجيوسياسية والاقتصادية. وأجمعوا على أن أوروبا تعيش حالة من «المحدودية الاستراتيجية»، حيث تجد نفسها عالقة بين تبعيتها الدفاعية للولايات المتحدة وهشاشتها الاقتصادية.
جاء ذلك في الحوار الاستراتيجي الثالث الذي نظّمه مركز «تريندز للبحوث والاستشارات» بمشاركة مكاتبه في إيطاليا وبلجيكا وألمانيا، ضمن سلسلة حواراته حول الحرب الحالية.
وأشار الخبراء والباحثون من ألمانيا وإيطاليا والنمسا وبلجيكا، إضافة إلى باحثي «تريندز»، إلى أن الحرب في الشرق الأوسط تحوّلت إلى تهديد وجودي لأمن الطاقة والاستقرار السياسي في أوروبا، مع بروز مخاطر مستقبلية تتعلق بالإرهاب والعمليات التخريبية، كما يعاني الموقف الأوروبي من تباين في الولاءات الخارجية، وضغوط داخلية، ومخاوف جيوسياسية متزايدة.
وبيّنوا أن استمرار تفوّق حلف الناتو والأولويات الأميركية يعوق تطوير سياسة دفاعية أوروبية مستقلة وفعّالة، كما أن تضارب المصالح الوطنية الأوروبية وتباين العلاقات مع دول الخليج، في ظل غياب إجماع حقيقي، جعلا الاستجابة الأوروبية «غير متكافئة» وبطيئة.

منصة لفهم التحولات
وعلى هامش الحوار، أكد الدكتور محمد العلي، الرئيس التنفيذي لمركز «تريندز»، أن الحوارات الاستراتيجية التي ينظّمها المركز تمثّل منصة معرفية مهمة لتقديم قراءات استشرافية دقيقة تسهم في فهم القضايا الجيوسياسية المعقّدة.
وكشف أن الحوار الاستراتيجي الرابع سيُعقد عبر «مساحة» (Space) على منصة «X»، وسيُركّز على تطورات الحرب الإيرانية وتداعياتها على منطقة الخليج العربي، بمشاركة نخبة من المتخصصين، بما يوسّع دائرة الوصول إلى الجمهور والمهتمين بالشأن الإستراتيجي.
أوروبا في قلب الأزمة
استُهلت أعمال الحوار بكلمة افتتاحية للباحث الرئيسي محمد السالمي، رئيس قطاع البحوث والاستشارات في «تريندز»، أكد فيها أن ما يشهده الشرق الأوسط لم يَعُد يُفهم ضمن إطار الحروب التقليدية، بل أصبح «صراعاً مركّباً متعدد المستويات» تتداخل فيه الأبعاد العسكرية والجيوسياسية والاقتصادية والأمنية.
وأوضح أن أوروبا باتت في قلب تداعيات هذه الحرب، نظراً لارتباطها الوثيق بدول الخليج في ملفات الطاقة والاستثمار وسلاسل الإمداد.
ركّزت الجلسة الأولى، التي أدارتها الباحثة شمسة القبيسي، على تحليل محددات الفعل الأوروبي في ظل الأزمة.
أربعة محددات
استهل البروفيسور رافائيل ماركيتي، مدير مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية (CISS) في جامعة لويس بروما، النقاش، مؤكداً أن ردّ الفعل الأوروبي تجاه أزمة الشرق الأوسط يتشكّل عبر أربعة عوامل رئيسية: الاصطفاف مع الولايات المتحدة، واحتياجات الطاقة، وضغوط الرأي العام الداخلي، إضافة إلى تأثير الحرب في أوكرانيا.
المواجهة الهجينة
بدوره، قدّم الفريق أول غوستاف غوستيناو، الأمين العام للمعهد الأوروبي لمكافحة الإرهاب ومنع النزاعات (EICTP) في فيينا، تحليلاً استراتيجياً للصراع.
من جانبه، أشار سيرج ستروبانت، المدير التنفيذي لشركة بانتس للاستشارات في بلجيكا، إلى وجود فجوة هيكلية في الأداء الأوروبي، حيث تمتلك القارة فهماً دقيقاً للمخاطر، لكنها تفتقر إلى القدرة المؤسسية والسياسية لتحويل هذا الوعي إلى قرارات حاسمة.
الطاقة والتجارة
وسلّط أورس أونكوف، المفوض فوق العادة للشؤون الخارجية العالمية في شبكة BWA الاقتصادية العالمية ببرلين، الضوء على الهشاشة الطاقوية التي تحدد السلوك الأوروبي، مشيراً إلى أن الاعتماد على أسواق الطاقة العالمية، خاصة بعد التحول عن الغاز الروسي، يجعل أوروبا أكثر حساسية لأي تصعيد في الشرق الأوسط.
الطاقة وأمن الخليج
ناقشت الجلسة الثانية، التي أدارها الباحث حمدان الحمادي، الأدوات العملية المتاحة أمام أوروبا، ومستقبل شراكتها مع دول الخليج في ظل التحديات الراهنة.
وأكد مانفريدي فاليرياني، المنسق العلمي في مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية (CISS) بجامعة لويس بروما، أن أوروبا تواجه مأزقاً مزدوجاً يتمثل في اعتمادها على البنية الأمنية لحلف الناتو من جهة، وعجزها عن بناء سياسة دفاعية مستقلة من جهة أخرى.
انقسام ثلاثي
من جهته، أوضح ألبيرتو ريتزي، زميل السياسات في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR) في روما، أن الموقف الأوروبي يعاني انقساماً على ثلاثة مستويات: سياسي، وشعبي، واستراتيجي، مما يحدّ من قدرة الاتحاد الأوروبي على التحدث بصوت واحد.
ودعا إلى ضرورة تحرُّك أوروبا ككتلة موحّدة، وتحديد خطوط حمراء واضحة، وتعزيز التنسيق الدبلوماسي مع دول الخليج.
استقرار الخليج
وأكد مصطفى العمار، عضو مجلس الأمن القومي في الحزب الحاكم في ألمانيا (CDU)، أن منطقة الخليج العربي لم تَعُد إقليماً بعيداً عن أوروبا، بل أصبحت ترتبط بشكل مباشر بأمن الطاقة الأوروبي والاستقرار الاقتصادي الشامل. ووصف المرحلة الراهنة بأنها «لحظة فارقة» .
وأشار إلى أن التصعيد الحالي يمثّل تهديداً خطيراً للأمن الإقليمي والدولي، مشدداً على أهمية تعزيز الشراكات، ومشيداً بتجربة دولة الإمارات العربية المتحدة كنموذج للتنوع والتعايش.
حرب المعلومات
بدوره، حذّر برنارد سيمان، زميل أول مشارك في معهد إغمونت في بلجيكا، من تصاعد تهديد التلاعب بالمعلومات والتدخلات الأجنبية (FIMI)، مشيراً إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي في الاستهداف الدقيق يمثّل خطراً متزايداً على تماسك المجتمعات الأوروبية. وأكد أهمية تطوير آليات جماعية لمواجهة هذه التهديدات، خاصة في ظل ارتباطها بالسياقات الجيوسياسية الأوسع.
توصيات
في ختام الحوار، أكد الباحث الرئيسي عوض البريكي، رئيس قطاع «تريندز جلوبال»، أن أوروبا تواجه تحدياً استراتيجياً مركّباً يتمثل في التوفيق بين التزاماتها عبر الأطلسي ومصالحها الحيوية في الشرق الأوسط، في ظل بيئة دولية تتسم بتسارع التحولات وتعقيد التهديدات.
وشدّد المشاركون على مجموعة من التوصيات الاستراتيجية، أبرزها: تعزيز الوحدة الاستراتيجية الأوروبية، وتسريع آليات صنع القرار بما يضمن استجابة أكثر فاعلية ومرونة، والتحرك ككتلة موحّدة وصياغة خطوط حمراء واضحة تعكس توافقاً سياسياً واستراتيجياً؛ وتعميق التنسيق مع دول الخليج في مجالات الأمن والطاقة والاستثمار، بما يعزّز الشراكات طويلة الأمد، وتعزيز إدارة الحدود والهجرة وتقليل التداعيات الأمنية والاقتصادية المرتبطة بالصراعات، وتطوير القدرات الدفاعية الأوروبية، خاصة في مجالات الدفاع الصاروخي والأمن السيبراني، وحماية الممرات البحرية وسلاسل الإمداد العالمية، بما يضمن استقرار التدفقات التجارية والطاقة، وتبنِّي نهج براغماتي متوازن يجمع الواقعية السياسية والمرونة الاقتصادية.