في عام 1990، صاغ عالم السياسة جوزيف ناي مصطلح «القوة الناعمة» ليشير إلى «القدرة على التأثير على الآخرين من خلال الجذب والإقناع بدلاً من مجرد الإكراه والدفع». وقبل أن يتم منح هذا المفهوم اسماً، كان بالفعل جزءاً أساسياً من عرض القوة الأميركية: فالقوة الناعمة تساعد في تفسير سبب امتلاك الولايات المتحدة قواعد عسكرية في 80 دولة على الأقل، ولماذا أصبح الدولار عملة الاحتياطي الدولي، ولماذا أصبحت اللغة الإنجليزية لغة الأعمال والدبلوماسية العالمية.
تتمتع الصين وروسيا أيضاً بقدرات عسكرية كبيرة، كما أن الصين قوة اقتصادية عظمى، ولكن لا تمارسان نفوذاً عالمياً مماثلاً لنفوذ الولايات المتحدة. ذلك لأن الولايات المتحدة كانت قوة عظمى فريدة في طبيعتها. صحيح أن أميركا ارتكبت نصيبها من الجرائم والأخطاء، لكنها أيضاً لديها تاريخ طويل من الإيثار (فكر في خطة مارشال أو برنامج الطوارئ الرئاسي للإغاثة من الإيدز PEPFAR). كما أن الولايات المتحدة كانت دائماً منارة أمل لملايين «يتوقون للتنفس بحرية»، وكانت تدعم عموماً المعايير والمؤسسات الدولية التي، إلى حد ما، تقيّد حتى قوتها الخاصة.
ومع أن القوة الناعمة الأميركية استغرقت عقوداً لتتراكم، يبدو أن الرئيس دونالد ترامب عازم على تدميرها في غضون أسابيع. انظروا إلى الحرب التجارية التي شنّها في نهاية هذا الأسبوع مع كندا والمكسيك (قبل أن يوقف التعريفات الجمركية لمدة شهر يوم الاثنين)، والتجميد الذي فرضه للتو على برامج المساعدات الخارجية الأميركية، والقرار القاسي الذي اتخذه، والذي قد يؤدي إلى إعادة مئات الآلاف من اللاجئين الفنزويليين إلى الديكتاتورية الماركسية التي فروا منها. كلٌ من هذه الإجراءات هو مسمار آخر في نعش القوة الناعمة الأميركية.
ولنبدأ بما وصفه المجلس التحريري المحافظ لصحيفة وول ستريت جورنال بحق بـ«أسوأ حرب تجارية في التاريخ». أعلن ترامب أنه سيفرض تعريفات جمركية بنسبة 10% على الصين، المنافس الرئيسي للولايات المتحدة، و25% على المكسيك وكندا. لماذا؟ إن تبريراته غير منطقية. فهو يدّعي أن المكسيك وكندا لا تفعلان ما يكفي لوقف تدفق الفنتانيل والمهاجرين غير الشرعيين إلى الولايات المتحدة، بينما يشكو أيضاً من العجز التجاري الأميركي مع هذين البلدين.
ومع ذلك، فإن التجارة الأميركية مع المكسيك وكندا -التي بلغت أكثر من 1.7 تريليون دولار في عام 2022- مفيدة للطرفين. وصناعة السيارات، على سبيل المثال، متكاملة للغاية عبر الدول الثلاث، لدرجة أن التعريفات الجمركية التي فرضها ترامب، إذا تم تنفيذها، ستتسبب في اضطراب واسع النطاق لشركات صناعة السيارات الأميركية. أما بالنسبة للادعاء بأن المكسيك وكندا لا تبذلان جهداً كافياً لوقف تدفق المهاجرين والمخدرات، فيبدو أن كلا البلدين يبذل قصارى جهده. ولكن هناك حدوداً لقدرتهما على السيطرة على حدودهما، تماماً كما أن هناك حدوداً لقدرة الحكومة الأميركية على وقف التهريب غير القانوني للأسلحة إلى البلدين. (وفقاً لهيئة الإذاعة البريطانية BBC، «في عام 2023، تم تتبع 90% من المسدسات المستعادة بعد الجرائم العنيفة في أونتاريو -المقاطعة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في كندا- إلى الولايات المتحدة»).
وكندا على وجه الخصوص بريئة من هذه الاتهامات: ففي السنة المالية 2024، شكّلت الحدود الأميركية-الكندية أقل من 1% من إجمالي مصادرات الفنتانيل و1.5% فقط من إجمالي الاعتقالات للمهاجرين غير الشرعيين عند الحدود الأميركية. وفي يوم الاثنين، قال ترامب إنه يؤجل فرض التعريفات لمدة شهر، بينما تعمل كل من كندا والمكسيك على تعزيز أمن الحدود، رغم أنه في حالة كندا لم تكن هناك مشكلة أمن حدودية من الأساس.
لا عجب أن الكنديين «يشعرون ببعض الحيرة»، كما قال رئيس الوزراء جاستن ترودو يوم السبت الماضي، «بسبب استهداف أقرب أصدقائنا وجيراننا لنا». فهذا، بعد كل شيء، بلد أرسل جنوده للقتال إلى جانب القوات الأميركية من شواطئ نورماندي في يوم الإنزال إلى قرى قندهار في أفغانستان. وتقول مذيعة التلفزيون الكندي أدريان أرنو إن «البلد بأسره» يتلقى «درساً في الحزن». وأظهر المشجعون الرياضيون الكنديون مشاعرهم من خلال إطلاق صيحات الاستهجان أثناء عزف النشيد الوطني الأميركي في مباريات دوري كرة السلة الوطني ودوري الهوكي الوطني خلال عطلة نهاية الأسبوع.
ومن خلال تجميد معظم المساعدات الخارجية الأميركية لمدة 90 يوماً والتحرك لتفكيك الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID)، فإن هذه الخطوة تنفِّر العديد من الأشخاص حول العالم، الذين يعتمدون على المساعدات الأميركية للبقاء على قيد الحياة ضد أمراض مثل الإيدز والملاريا، أو للحصول على مياه نظيفة، أو لمكافحة سوء التغذية. وبعيداً عن كونها «منظمة شريرة» كما وصفها أغنى رجل في العالم، إيلون ماسك، يوم الأحد، فقد كانت الوكالة الأميركية للتنمية الدولية عنصراً حيوياً في القوة الناعمة الأميركية. لا شك أن بعض برامج المساعدات تعاني من الهدر، وتحتاج إلى إصلاح، لكن لا يوجد مبرر لهذا الهجوم العشوائي على المساعدات الخارجية.
في حين أن وزير الخارجية ماركو روبيو منح إعفاءً من تجميد المساعدات للأعمال الإنسانية المنقذة للحياة، إلا أن منظمات الإغاثة الخارجية تقول إن نظام الدفع التابع للوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) قد تم تفكيكه، وأن «الأدوية لا تزال على الرفوف دون ممرضين لتوزيعها». سواء كان هذا التصرف بدافع الخبث أو عدم الكفاءة، فالنتيجة واحدة.
في أوغندا، ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن المبيدات الحشرية لا يتم رشها ولا يتم توزيع الناموسيات لمكافحة الملاريا. وفي زامبيا، لا يتم توزيع الأدوية، التي يمكن أن تمنع النزيف لدى النساء الحوامل. وفي جميع أنحاء جنوب آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، لم يعد الآلاف من المشاركين في التجارب السريرية يحصلون على العلاج. وعندما تحدث الباحثون ومديرو البرامج عن آثار تجميد المساعدات الأميركية مع أحد مراسلي التايمز، انهار الكثير منهم بالبكاء وهم يصفون الدمار السريع لعقود من العمل.
ولأي غرض؟ لتوفير 1% فقط من ميزانية الحكومة الفيدرالية؟
ولا شك، فإن اللاجئين الفنزويليين الذين سيتم ترحيلهم قسراً الآن إلى وطنهم سيذرفون دموعاً أكثر. وكان ماركو روبيو نفسه، حين كان لا يزال عضواً في مجلس الشيوخ، قد كتب في عام 2022 أن ترحيل الفنزويليين سيكون بمثابة «حكم بالإعدام». وترامب، خلال ولايته الأولى، منح الفنزويليين إعفاءً من الترحيل بسبب ما وصفه بـ«الوضع الكارثي» في بلادهم.
لكن القيود التي كبّلت ترامب في ولايته الأولى تتلاشى بسرعة في ولايته الثانية. والآن، تقوم وزارة الأمن الداخلي بإلغاء وضع الحماية المؤقتة لـ600 ألف لاجئ فنزويلي، مما يعرضهم لخطر الترحيل. هذا يمثل خيانة للهوية الأميركية كأمة توفر ملاذاً للاجئين -بمن فيهم عائلتي- عندما فررنا من الاتحاد السوفييتي عام 1976.
من المذهل أن نرى مدى الضرر الذي طال القوة الأميركية الناعمة في غضون أسبوعين فقط، ومن المؤلم تخيل مقدار الضرر الذي يمكن أن يلحقه في السنوات الأربع المقبلة. مهما تكن التنازلات الطفيفة التي قد يتمكن ترامب من ابتزازها من حلفاء الولايات المتحدة مثل المكسيك أو كندا من خلال مطالبه القاسية، فإنها لا تستحق الضرر طويل الأمد الذي يلحق بعلاقات أميركا مع هذه الدول.
المستفيد الأكبر من كل هذا هو الصين، التي، كما حذّر السيناتور كريس ميرفي (ديمقراطي - كونيتيكت) على منصة X، «ستملأ الفراغ» الناجم عن إنهاء برامج المساعدات الأميركية. والآن، بعد أن بدأ ترامب في فرض تعريفات جمركية على حلفاء الولايات المتحدة، ستصبح الصين شريكاً تجارياً أكثر جاذبية وثقلاً موازِناً لقوة الولايات المتحدة بالنسبة للعديد من الدول حول العالم. وبعيداً عن جعل أميركا عظيمة مرة أخرى، فإن هذا التآكل في القوة الناعمة سيقوض الأمن الاقتصادي والوطني للولايات المتحدة لسنوات مقبلة.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لاينسيج آند سينديكيشن»


