تتعرّض دولة الإمارات العربية المتحدة، وبقية دول الخليج العربية، لاعتداءات إيرانية غاشمة غير مبرَّرة حتى من منطق المصلحة الإيرانية. فهذه الدول أعلنت منذ بداية الأزمة، وحتى قبل ذلك، مراراً وتكراراً أنها ضد التصعيد، وأنها لن تشارك فيه، ولن توفر أي دعم لوجيستي لأي حرب محتملة، لتُفاجَأ بأنها أصبحت هي نفسها المسرح الرئيس للاعتداءات الإيرانية، وكأن الهدف هو ضرب استقرار المنطقة بالكامل، وليس الرد على الهجوم الأميركي- الإسرائيلي.
وكان الغريب هو تركيز العدوان الإيراني على دولة الإمارات، التي تعرضت لأكبر كمٍّ من الاعتداءات الإيرانية، والتي شملت، حتى يوم أمس، إطلاق أكثر من 1400 صاروخ باليستي وطائرة مسيَّرة استهدفت البنية التحتية ومواقع مدنية، وأدى إلى سقوط قتلى وجرحى من المدنيين، وهو ما لا يمثّل خرقاً جسيماً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وانتهاكاً لسيادة الدولة وسلامة أراضيها، وتهديداً مباشراً لأمنها واستقرارها فحسب، بل يمثّل أيضاً حالة عدوان سافر، لا يمكن تبريره إلا بدوافع الحقد الأعمى ومحاولة استهداف أحد أبرز النماذج التنموية في المنطقة والعالم.
ولكن هيهات، فقد أثبتت القوات المسلحة الإماراتية أنها بالفعل من أكفأ الجيوش في العالم، إنْ لم تكن أكفأها على الإطلاق، حيث نجحت في إسقاط وإفشال أكثر من 95% من هذه الاعتداءات، وحافظت بكفاءة على حالة الأمن والأمان التي تنعم بها الدولة.ولعل الدور الأهم في إدارة هذه الأزمة جسّدته بوضوح القيادة الإماراتية الرشيدة، سواء من خلال جهودها الاستباقية في تعزيز القدرات الدفاعية للدولة، أو من خلال رسائلها المتعددة لبثّ الطمأنينة في نفوس جميع المقيمين على هذه الأرض الطيبة، وإظهار صمود البلاد وعزمها على الخروج من هذه الحرب أقوى ممّا كانت، وأكثر استقراراً وازدهاراً ممّا كانت.
وكانت جولة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، في «دبي مول»، وحرصه خلال الجولة على تحيّة المتسوّقين والتفاعل معهم، كاشفةً عن مستوى الثقة بحالة الأمن والأمان بالبلاد. كما أن زيارة سموه للمصابين في الأحداث، وحرصه على الاطمئنان بنفسه على أحوالهم، أظهرت بجلاء أن دولة الإمارات «قدوة»، كما عبّر سموه خلال الزيارة، لأن قيادتها «قدوة» تتكشف في أوقات الأزمات خاصةً.
كما أثبتت قيادتنا الرشيدة، حفظها الله، قدرة فائقة على تعزيز ثقة المجتمع من خلال التواصل الواضح مع المواطنين والمقيمين والظهور المباشر بينهم. وتجلّى العزم الإماراتي في أقوى صوره، خلال جولة صاحب السمو رئيس الدولة، حفظه الله، لزيارة بعض المصابين جرّاء العدوان الإيراني، حيث أكد سموه بلهجة حاسمة أن «الإمارات بخير»، وأنها ستخرج من هذه الأزمة أقوى ممّا كانت. كما وجّه سموه رسالة قويّة إلى «العدو»، مفادها أنّ: «الإمارات جلدها غليظ، ولحمها مرّ لا يؤكل».
لقد كشفت استجابة الدولة بكل مؤسساتها للاعتداءات الإيرانية عن قوة وصلابة إرادة شعب الإمارات الأصيل، وتجدّد عزمه، وثبات قيادته الرشيدة ورؤيتها النافذة وبصيرتها المستنيرة، وتلاحم الشعب مع قيادته لمواجهة التحديات.
كما برهنت الأحداث على ما تحظى به القيادة الرشيدة للدولة من تقديرٍ عالمي رفيع المستوى، وعلى فعالية الدبلوماسية الإماراتية، حيث تلقّت الدولة دعماً دولياً واسع النطاق، ظهر في إدانات الدول والمنظمات الدولية والإقليمية حول العالم للاعتداءات الإيرانية.
ولم يكن مفاجئاً أن تنظر الصحف العالمية، وفي مقدّمتها صحيفة «ديلي ميل» البريطانية إلى تجربة «قادة دبي وأبوظبي في مواجهة الاعتداءات الإيرانية»، بوصفها نموذجاً ملهماً يمكن أن يستلهم منه عمدة لندن الدروس.
وهذه الدعوة إلى الاستفادة من النموذج الإماراتي في القيادة الحاسمة والرؤية الاقتصادية طويلة المدى، والتعامل مع الأزمات الكبرى، ترسخ بلا شكٍّ سمعة دولة الإمارات العالمية بوصفها واحة للاستقرار والأمن والأمان، وتميّز مكانتها مركزاً عالمياً رائداً في التنمية والاستثمار وتنافسية الاقتصاد. الأزمة ستمضي، ودولة الإمارات ستخرج منها، كما في كل الأزمات السابقة، أكثر قوة، لأن هناك قيادة رشيدة لا تقبل إلا أن تحقق رؤيتها في أن تكون الإمارات الرقم واحد عالمياً مهما كان التحدي ومهما كان مستوى التهديد. حفظ الله الإمارات وقيادتها الرشيدة وأدام أمنها وازدهارها.
*الرئيس التنفيذي- مركز تريندز للبحوث والاستشارات


