أكثر من تسع مرات يحاول الرئيس الأميركي دونالد ترامب وفي فترة زمنية قصيرة من بعد فرض العقوبات الصارمة، إيصال إيران إلى نقطة صفر في تصدير النفط. ضغوط أميركية مكثّفة لتجريد النظام الإيراني من أدوات ثأثيره، المتمثلة في أموال النفط التي يضخها للميليشيات الإرهابية في المنطقة، الحصار البحري قد يحقق ما لم تستطع العقوبات تحقيقه.
أحد وزراء خارجية إيران منذ مدة وعلى هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، نفى وجود خطط لعقد اجتماع مع مسؤولين أميركيين، وقال مسؤولون إيرانيون كبار: «إن بلادهم لن ترضخ بسهولة لحملة أميركية جديدة تهدف إلى وقف صادرات إيران النفطية الحيوية».
ويشكّل النفط قرابة 40% من إجمالي الناتج الإجمالي لإيران، وهي نسبة كبيرة جداً بلغة الاقتصاد، خاصة وهي تعاني من هذه العقوبات قرابة خمسة عقود، وكان أمل النظام معقوداً على نجاح الاتفاق النووي، ولكن ترامب خيّب آمال هذا النظام بجرة قلم، لتعود مشكلة إيران نووية غير سلمية إلى نقطة البداية بعد أن ضاعت عشرة أعوام من عمر المباحثات في (5 + 1) أدراج الرياح.
سياسياً، منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، والنظام الإيراني الطائفي غير الطبيعي أجبر الشعب وقمعه، بدعوى الدفاع عن القومية الفارسية الإيرانية التي تمثل 35% تقريباً من إجمالي القوميات الأخرى، من أجل التحكم بمصير شعب بأكمله تعداده يقترب من 100 مليون نسمة، مرغمين على العيش تحت جحيم الاثنى عشرية التي تبنّت نهج المغامرات في تصدير الثورة الخمينية للشعوب المستضعفة. 47 عاماً من الثورة التي لا تنتهي إلا بثورة مضادة أخرى، وإنْ كان الضغط الاقتصادي عنوانها العريض، يعاني بسببها الشعب الإيراني، إلا أن الداخل المعتم سيكون له كلمة الفصل في التخلص من هذا النظام وفق المعادلة الإيرانية ذاتها، التي أزاحت النظام الشاهنشاهي الذي حكم الشعب بقوة «السافاك»، ولا يختلف «الباسيج» عنه في شيء، بالإضافة إلى «الحرس الثوري»، حيث سطوته وسلطته أكبر من الجيش النظامي الذي لم يتعدَ حدود إيران إلا في حرب الخليج الأولى مع العراق ولمدة ثماني سنوات عجاف لم تتعافَ منها الدولتان حتى الساعة الأدهى والأمرّ.
ويسرح الحرس الثوري الإيراني ويمرح في لبنان بلا استئذان، وأيضاً عناصره في العراق وفي سوريا، لكنهم يخشون الاقتراب من الجولان، ويبتعدون عنها أكثر من 80 كم، وكان المطلوب منهم أقل من ذلك، وقد أثبتوا بذلك حسن نواياهم تجاه إسرائيل، في الوقت الذي بُحَّ صوت نجاد الرئيس السابق، مهدداً إسرائيل.
وفي اليمن، يمتد نفوذ عناصر الحرس الثوري، حيث يدفعون بـ«الحوثيين» نحو إغراق البلاد في وحل الطائفية العرقية. مخاوف إدارة ترامب من دعم إيران للمنظمات الإرهابية في جميع أنحاء الشرق الأوسط مشروعة تماماً.
ومع ذلك يفاجئ ترامب العالم، ويعلن عن استعداده للحوار، على أمل تراجع إيران، أو إعلانها الاستسلام تحت وطأة الحصار والضربات الموجعة التي ساهمت في إضعافها. لا بأس من تكرار تجربة كوريا الشمالية مع العدو الإيراني اللدود لعل ترامب يستطيع تحويل إيران إلى الصديق الودود. إلا أن علي خامنئي الذي كان بيده الحل والربط فقد حسم الأمر من قبل، عندما حظر إجراء أي محادثات مباشرة مع الولايات المتحدة الأميركية، وقد حمَّل الحكومة الإيرانية ذاتها مسؤولية سوء الإدارة في البلاد، والذي أضر بالاقتصاد أكثر من العقوبات الأميركية. لكن لغة السياسة تطغى، والتفاوض يظل مساراً ممكناً البناء عليه في صياغة حل، لكن الأمل في إنهاء الأزمة من جذورها، وقطع كل أسباب التوتر التي تنشرها إيران في المنطقة منذ قرابة 5 عقود.
*كاتب إماراتي.


