رغم وجود الهدنة الخاصة بالحرب في الخليج العربي، فقد جاءت الاعتداءات الإيرانية على دولة الإمارات العربية المتحدة لتطرح تساؤلات عميقة حول دوافع ومغزى هذا التصعيد الخطير وغير المبرر، خاصة أنه تزامن مع تجديد مهلة وقف إطلاق النار الأخيرة، وهي فترة يُفترض أن تسودها التهدئة وضبط النفس، لا إشعال التوترات وتوسيع رقعة الصراع.
هذا التناقض بين الالتزامات المعلنة من جانب إيران وبين سلوكها الفعلي، يعكس على نحو واضح إشكاليةً أعمق تتجاوز الحسابات العسكرية، لتلامس أبعاداً سياسية وثقافية لا يمكن للمراقب تجاهلها في أي تحليل حول الحالة الإقليمية.
إن أي خرق لوقف إطلاق النار، خصوصاً عندما يستهدف دولةً شقيقة وعضواً في مجلس التعاون لدول الخليج العربية، لا يمكن تفسيره في إطار الدفاع أو الردع، بل هو في الواقع تصرف من شأنه أن يفتح البابَ أمام قراءة مختلفة وأكثر دقة، تنظر إلى ذلك التصرف بوصفه تعبيراً عن موقف عدائي متجذِّر. فدولة الإمارات، التي عُرفت بنهجها الإيجابي الداعم للاستقرار الإقليمي ولسياسة حُسن الجوار تجاه الجميع، لم تكن طرفاً في التصعيد الذي عرفته المنطقة، مما يجعل استهدافها عملاً طائشاً يفتقر إلى أي مبررات منطقية، ويعزّز فرضيةَ أن الدافع الحقيقي يتجاوز السياسة إلى ما هو أعمق من ذلك.
وفي هذا السياق، يبرز احتمال أن يكون التوقيت مرتبطاً بالتظاهرة الثقافية الكبرى التي احتضنتها دولة الإمارات في الفترة ذاتها. فهذه التظاهرة، بفعالياتها المتنوعة التي تعكس وجهاً حضارياً مستنيراً ومنفتحاً، تؤكد على دور الثقافة كجسر للتواصل والتفاعل بين الشعوب والثقافات، قد يُنظر إليها مِن قِبل بعض الأطراف على أنها تهديد غير مباشر.. ليس تهديداً عسكرياً بطبيعة الحال، وإنما تهديد فكري وثقافي لحالة يطبعها الجمود ورفض التنوع والانفتاح، مما يفضح الفارقَ بين مشروعين: مشروع يسعى للبناء والانفتاح، وآخر يعيش في دائرة الانغلاق والصراع.
إنّ استهداف دولة تحتفي بالثقافة والفنون في هذا التوقيت بالذات، يحمل رسالةً سلبيةً مفادُها أن النجاح في بناء نموذج حضاري متوازن يثير حفيظةَ مَن يرفضون هذا النهج ويرون أيَّ نجاح عدواً لهم. والثقافة بطبيعتها قوة ناعمة، لكنها مؤثّرة وتأثيرها يبقى لحقب طويلة، ولذا فقد تكون في نظر البعض أخطر من أي سلاح، لأنها تُغير العقول وتفتح آفاقاً جديدةً، وهو ما لا يتماشى مع مشاريع تقوم على العزلة أو فرض الرؤى بالقوة.
كما أن هذه الاعتداءات تعكس، في جانب منها، حالةً من التوتر الداخلي أو محاولةً لتصدير الأزمات إلى الخارج. فالتاريخ السياسي يُظهر أن بعض الدول تلجأ إلى التصعيد الخارجي كوسيلة لصرف الانتباه عن تحديات داخلية، أو لإعادة ترتيب أوراقها في ظل ضغوط متزايدة. لكن مثل هذه السياسات غالباً ما تأتي بنتائج عكسية، حيث تزيد من عزلة الدولة المعنية، وتفقدها ما تبقّى من مصداقية على الساحة الدولية.
وفي المقابل، فإن الموقف الخليجي، الذي يقوم على التكاتف والتضامن، يبعث برسالة واضحة مفادها أن أي اعتداء على دولة عضو هو اعتداء على المنظومة بأكملها. هذا التماسك لا يقتصر على الجانب الأمني، بل يمتد ليشمل الدفاع عن القيم المشتركة، وفي مقدمتها دعم الثقافة والانفتاح والتنمية.
وختاماً، فإن ما جرى لا يمكن فصله عن صراع أوسع بين رؤيتين: رؤية تؤمن بالحوار والتعايش، وأخرى تُغذيها مشاعر الحقد والرفض. وبين هدنة السلاح وعداء الثقافة، تتضح معالم هذا الصراع، وتزداد الحاجة إلى التمسك بالنهج الذي يضع الإنسان، لا الصراع، في صدارة الأولويات.
*كاتب كويتي


