لا شيء يسعدني أكثر من تألق ابنة الإمارات ونجاحها في اقتحام مختلف المجالات، وإصرارها على التميّز لا مجرد الحضور والمشاركة، من هذا المنطلق عِشت أوقاتاً طيبة الأسبوع الماضي، حينما كنت أتابع بروز دور المرأة وحضورها المبدع في مجال الزراعة، والذي ألقى عليه مزيداً من الضوء عبر «المؤتمر والمعرض الزراعي الإماراتي 2026» الذي تم تنظيمه في العين. 
واللافت أن حضور المرأة في الحدث الذي نظمته وزارة البيئة والتغير المناخي، يعكس مساراً متصاعداً من التمكين والمشاركة النوعية، مدفوعاً برؤية وطنية تضع الأمن الغذائي والاستدامة في صلب أولوياتها، وقد جاء متوهجاً وساطعاً بوصفه امتداداً لدورٍ المرأة المتجذر في دعم مسيرة التنمية الزراعية والغذائية في الدولة.
من المهم هنا أن ندرك جيداً، أن الإمارات لا تعتبر المرأة مجرد مشارك في القطاع الزراعي، بل تنظر إليها بوصفها شريكاً استراتيجياً وعماداً أساسياً لاستدامة هذا القطاع، ولا تدّخر القيادة جهداً في ترسيخ هذا المعني، وقد سلطت فعاليات الحدث الضوء على الدور الحيوي الذي تضطلع به الأسرة والمرأة المزارعة في ترسيخ وصون الموروث الزراعي، وتعزيز حضور المرأة في المجتمع الزراعي.
أجنحة المعرض وفعالياته المتنوعة كشفت بوضوح أن دور المرأة في القطاع الزراعي بات أكثر رسوخاً وتأثيراً، سواء من خلال تطوير المنتج المحلي، أو تبني أساليب إنتاج أكثر استدامة، أو تحويل الأفكار الزراعية إلى مشاريع ريادية ذات أثر اقتصادي ومجتمعي.
بواعث البهجة متعددة، فالمشاركات كن يدركن بوعي كبير أن العمل الزراعي لم يعُد مجرد نشاط إنتاجي، بل بات مسؤولية تتصل بالأرض والمجتمع معاً، حيث باتت إسهاماتهن رافداً مهماً للابتكار، وعاملاً مؤثراً في ترسيخ ممارسات زراعية حديثة، تواكب تطلعات المستقبل وتدعم الأمن الغذائي الوطني.
لقد أبرزت الجلسات قيمة النماذج الفردية والأسرية في الحفاظ على الممارسة الزراعية وتطويرها، والدور الذي تؤديه قصص النجاح الملهمة في ترسيخ ثقافة العمل الزراعي، وتعزيز ارتباط الأجيال الجديدة بالأرض، وتحويل التجارب المحلية إلى نماذج مستدامة، الأمر الذي يعكس دور الأفراد في إحداث أثر اقتصادي واجتماعي، ويبرز كيف يمكن للزراعة الأسرية أن تكون مصدراً للفخر والتمكين والاستدامة عبر الأجيال.
كما كشف الحضور النسائي في الفعاليات المتنوعة أن تمكين المرأة في القطاع الزراعي لا يرتبط فقط بتوسيع المشاركة، بل يتصل أيضاً ببناء أثر اقتصادي واجتماعي أكثر اتساعاً، فالمشاريع الزراعية والغذائية التي تقودها النساء تسهم في توفير فرص جديدة للتدريب والعمل، وتعزيز الوعي المجتمعي بقيمة الإنتاج الوطني، فضلاً عن توسيع حضور المنتجات المحلية في الأسواق.
قد يرى البعض أن العمل في قطاع الزراعة لا يناسب طبيعة المرأة، لكن هذه رؤية تتجاهل التطورات التقنية وأساليب الزراعة الحديثة التي تعتمد على تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي وما توفره من جهد يجعل من السهل على المرأة أن تتولى بذاتها زراعة آلاف الأفدنة، دون أن تكون بحاجة لممارسة نشاط بدني شاق، ولعل هذا الأمر بالذات أحد أهم الأسباب التي ساهمت في جذب العناصر النسائية لقطاع الزراعة وتفوقها فيه.
لقد أثبتت المرأة الإماراتية قدرتها على الإسهام الفاعل في مواجهة التحديات ودعم التحول نحو الزراعة الذكية والاقتصاد الأخضر وحققت مستويات متقدمة من التمكين بفضل دعم القيادة الرشيدة، التي وفرت لها بيئة داعمة وفرصاً أوسع للنجاح وتحقيق الذات.
بيد أن الحضور النسائي المميز في المعرض الزراعي، يدفعنا للعودة إلى الوراء قليلاً للتذكير بمبادرة «نزرع للاستدامة»، التي أطلقتها سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، «أم الإمارات»، رئيسة الاتحاد النسائي العام، رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، الرئيس الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية، العام الماضي، وتمتد لخمس سنوات، بهدف تمكين المرأة الإماراتية، ضمن رؤية شاملة تدعم أهداف الاستدامة والأمن الغذائي في الدولة، انطلاقاً من القناعة بأن المرأة قادرة على أن تكون شريكاً رئيسياً في تحقيق الأمن الغذائي، ودفع عجلة الاستدامة البيئية والاقتصادية.
المبادرة تعد جزءاً من جهود الدولة الأوسع لزيادة الرقعة الخضراء وتعزيز الأمن الغذائي عبر دعم المزارعين وتبني تقنيات مبتكرة، وتوسيع مشاركة المرأة في سلاسل القيمة، كما تسهم في نشر الوعي بالممارسات الزراعية المستدامة، مثل: الزراعة العضوية والذكية بيئياً، بما يتكامل مع أهداف البرنامج الوطني «أزرع الإمارات»، والسياسة الوطنية لتمكين المرأة، ويسهم في تحقيق رؤية «الإمارات 2031».
لا شك أن الحضور النسائي يعكس تغيراً إيجابياً في الوعي المجتمعي تجاه الزراعة الحديثة، ويؤكد أن المرأة الشابة قادرة على الإسهام بفاعلية في القطاع الزراعي، كما أن النماذج الإماراتية الناجحة فيه تعكس ما يمكن أن تحققه المرأة الإماراتية متى توفّرت لها الفرصة والدعم.