في زمنٍ تتصاعد فيه حدّة الصراعات، أثبتت العلاقات الاستراتيجية بين الاتحاد الأوروبي ودولة الإمارات أن الشراكة القائمة على التعاون السياسي والاقتصادي والأمني قادرة على الصمود والتكيّف مع مختلف المتغيّرات، حتى في وجه النزاعات وحالة عدم اليقين الاقتصادي. وقد دفع كلٌّ من المصالح المشتركة والتعاون الاقتصادي المتزايد والرؤى المستقبلية المتقاربة في السنوات الأخيرة، الشريكين للتقارب فيما بينهما، كما أضحت هذه العلاقة تلعب دوراً محورياً في الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي وتعزيز الأمن المتبادل واحتواء مخاطر التصعيد الأوسع، بالتزامن مع تزايد التوترات الإقليمية واتساع تداعياتها لتتجاوز حدود المنطقة.
وتجسّد الزيارتان الأخيرتان لكل من سعادة أنطونيو كوستا، رئيس المجلس الأوروبي، وسعادة كايا كالاس، الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية ونائبة رئيس المفوضية الأوروبية، إلى دولة الإمارات، عمق هذه الشراكة. حيث لم تكن لقاءاتهما مع صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وسمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الخارجية، مجرد تبادل للآراء حول المواقف، وإنّما عكست تقارباً في الأولويات التي رسمت ملامح الشراكة الأوروبية الإماراتية على مدار السنوات، من خلال مجالات استراتيجية عديدة تمتد من التنسيق الأمني إلى المرونة الاقتصادية. لذلك، لا ينبغي أن نقرأ هذه الزيارات كمواقف دبلوماسية بروتوكولية فحسب، بل هي في حقيقة الأمر تأكيدٌ على التزام استراتيجي في أوقات الأزمات، بهدف بناء علاقة أكثر متانة وعمقاً، فهي زيارات تُعزّز شراكةً تجمع بين الطابع العملي واستشراف المستقبل.
وتؤكد الأوضاع السياسية الراهنة في المنطقة الحاجة الماسة إلى مزيد من التنسيق بين الجانبين، إذ إن دعم الاتحاد الأوروبي للإمارات يتجاوز بكثير كونه مجاملة دبلوماسية، ليعكس إدراكاً عميقاً بأن أي اضطراب في منطقة الخليج سرعان ما سيتحوّل إلى ضغوط اقتصادية وسياسية عالمية. وفي المقابل، يجسّد انخراط دولة الإمارات مع الشركاء الأوروبيين فهماً راسخاً بأن الدعم الخارجي يُعزّز المرونة الإقليمية.
وتقف الأرقام شاهدة على ذلك، إذ بلغت قيمة التجارة غير النفطية بين الشريكين في عام 2024 نحو 68 مليار دولار، بنمو يقارب 4% مقارنة بعام 2023. ويستقبل الاتحاد الأوروبي 8.3% من الصادرات غير النفطية الإماراتية، كما يحتل المرتبة الثانية كأكبر شريك تجاري غير نفطي لدولة الإمارات بعد الصين. إضافة إلى ذلك، تبلغ حصة استثمارات الاتحاد الأوروبي في دولة الإمارات نحو 220 مليار دولار، ما يجعله أكبر مستثمر في البلاد. وفي المقابل، تُمثل دولة الإمارات وجهة موثوقة للصادرات الأوروبية، لا سيما في القطاعات ذات القيمة العالية مثل الآلات ومعدات النقل والتصنيع المتقدم، فضلاً عن كونها شريكاً متميزاً في تجارة الخدمات في قطاعات الطيران والخدمات اللوجستية والمالية والسياحة. وتُعد هذه أرقاماً كبيرة تضع دولة الإمارات في مصاف أبرز الشركاء العالميين للاتحاد الأوروبي، وتؤكد مكانتها كمركز اقتصادي محوري يربط الاتحاد بالشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا وغيرها.
ومن الضروري التذكير بأن إطلاق المفاوضات التجارية بين الاتحاد الأوروبي ودولة الإمارات في مايو 2025 شكّل لحظةً محورية في مسار رسم ملامح مستقبل التعاون الاقتصادي الثنائي. وقد قطعت هذه المفاوضات شوطاً متقدماً، إذ تعقد جولتها السادسة حالياً في بروكسل خلال شهر أبريل الجاري.
غير أن الشراكة الإماراتية الأوروبية تتجاوز الإطار الاقتصادي، فقد ازدادت أهمية الشراكات التي تُعلي من شأن الدبلوماسية والنظام القائم على القواعد في أعقاب اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير، وتصاعد الاعتداءات الإيرانية الصارخة على دولة الإمارات، وهو ما تدركه وتؤكد عليه كلٌّ من دولة الإمارات والاتحاد الأوروبي. وقد شهدنا بالفعل اتساع رقعة النزاعات في منطقتينا نتيجة التهاون في صون النظام الدولي القائم على القواعد. كما تتقاطع مصالحنا بشكل جوهري في حماية السلامة الإقليمية، وضمان الاستقرار الاقتصادي، وصون حرية الملاحة التي باتت تُستخدم أداةً للابتزاز في أعقاب إغلاق مضيق هرمز. فضلاً عن إدراكنا المشترك أن ردع التصعيد المستقبلي والحفاظ على قنوات التواصل الدبلوماسي يُعدّان من الأولويات الملحّة.
وتُقدّم كلٌّ من دولة الإمارات والاتحاد الأوروبي نقاط قوة تكاملية في مواجهة هذه التحديات، فقد رسّخت دولة الإمارات مكانتها كفاعل إقليمي عملي وحاضنٍ للحوار، فيما يمثّل الاتحاد الأوروبي شريكاً موثوقاً يُعزّز القوة التنظيمية والنفوذ الدبلوماسي والثقل الاقتصادي. ومعاً، يمكن للطرفين الإسهام في نزع فتيل التصعيد والعمل على دعم استقرارٍ إقليمي طويل الأمد.
كما تطوّرت نظرة الاتحاد الأوروبي استجابةً للمتغيّرات الجديدة، إذ اتجه انخراطه مع دول الخليج، ولا سيما دولة الإمارات، نحو حوارٍ استراتيجي مستدام. وقد عزّز الاتحاد التزامه بالاستقرار الإقليمي من خلال المنتدى السنوي رفيع المستوى بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي حول الأمن الإقليمي، إلى جانب دوره في ضمان حرية الملاحة عبر عملية «أسبيدس» في البحر الأحمر. ولا شك أن نطاق شراكة الاتحاد مع مجلس التعاون يتّسع باستمرار ليشمل مجالات التجارة والاستثمار والعمل المناخي والطاقة والأمن والتعاون الإنساني، مدعوماً بآليات عملية مثل حوار التجارة والاستثمار ومنتدى التحوّل الأخضر.
وقد عزّز الاتحاد الأوروبي قدراته الدفاعية المشتركة في السنوات الأخيرة، في إطار استجابته للسياق الجيوسياسي العالمي المتغيّر، وهو ما سيسلّط المشاركون الضوء عليه خلال منتدى تكنولوجيا الدفاع الأوروبي المقرر عقده في 7 مايو 2026 في أبوظبي. إذ لن تقتصر الزيارات رفيعة المستوى التي يتضمنها المؤتمر على التعبير عن التضامن أو إطلاق التصريحات المؤيّدة، بل ستمهّد الطريق نحو تعاون ملموس على أرض الواقع.
وفي الوقت ذاته، يُعدّ التعاون في مجال الطاقة ركيزةً محورية في هذه العلاقة، فبينما تُستخدم الطاقة كسلاح من قبل جيراننا، نعمل نحن على تنويع مصادرها. وتوفّر استثمارات دولة الإمارات في الطاقة المتجددة، بما في ذلك المشاريع الشمسية واسعة النطاق ومبادرات الهيدروجين، مساراتٍ واعدة للتعاون تتماشى مع أهداف الاتحاد الأوروبي المناخية، وتلبّي في الوقت نفسه ضرورة ضمان أمن موارد الطاقة. ولن تؤدي النزاعات في منطقتينا إلا إلى تعزيز التزامنا بالتعاون الثنائي في هذا السياق الحيوي، بما يدعم تطوير إنتاج الطاقة المتجددة، ورفع كفاءة استهلاك الطاقة، وتعزيز المرونة الاقتصادية، وتأمين إمدادات الطاقة حتى في أوقات الأزمات.
وفي هذا السياق، تعكس أُطر التعاون والتواصل بين الاتحاد الأوروبي ودولة الإمارات جهداً واعياً لترسيخ سياستيهما الخارجيتين على شراكات تتسم بالاستقرار والكفاءة.
ومعاً، يتبوأ كلٌّ من دولة الإمارات والاتحاد الأوروبي موقعاً أفضل لمواجهة التحديات المعقّدة، إذ يكتسب هذا النموذج من التعاون، القائم على المصالح المشتركة والالتزامات السياسية المستدامة بدلاً من المبادئ المجرّدة، زخماً متزايداً.
وبعد ستة أسابيع من عدم الاستقرار، لم يَعُد السؤال يدور حول ما إذا كان الاتحاد الأوروبي ودولة الإمارات شريكين مهمّين لبعضهما البعض، بل بات يتمحور حول كيفية تمكّن الجانبين من تعزيز علاقتهما في عصرٍ يتسم بعدم اليقين والتقلبات والأزمات. ومع ذلك، فقد أثبتت دولة الإمارات والاتحاد الأوروبي حتى الآن أن شراكتهما متينة وقادرة على الصمود، وستظل كذلك.
د.محمد إبراهيم الظاهري*
* نائب مدير عام أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية
لوسي بيرجر**
** سفيرة الاتحاد الأوروبي لدى دولة الإمارات العربية المتحدة


