في أوقات الأزمات، لا تكفي متابعة الأخبار لفهم ما يجري؛ بل تصبح الحاجة ملحّة إلى مراجع فكرية تقدّم تفسيراً أعمق للسلوكيات والتحولات. وفي هذا السياق، يبرز كتاب «إيران والخليج: البحث عن الاستقرار» بوصفه أحد أهم الأعمال التي تساعد على قراءة المشهد الراهن في الخليج والشرق الأوسط من منظور استراتيجي متماسك.
صدر هذا الكتاب لأول مرة في عام 1996 عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، في مرحلة مفصلية أعقبت حرب الخليج الثانية، لكنه لم يكن مجرد استجابة ظرفية لتلك اللحظة التاريخية، بل محاولة علمية لاستشراف أنماط السلوك الإيراني في المنطقة على المدى الطويل. وما يمنح هذا العمل قيمة إضافية أنه ليس كتاباً تقليدياً لمؤلف واحد، بل هو نتاج جماعي يضم أوراقاً بحثية لنخبة من الباحثين من إيران والعالم العربي وخارجه، من بينهم معالي الدكتورأنور بن محمد قرقاش، المستشار الدبلوماسي لصاحب السمو رئيس الدولة، ما يضفي عليه ثراءً في المقاربات وتعدداً في زوايا النظر.
ينطلق الكتاب من فكرة محورية مفادها أن سلوك إيران في الخليج لا يمكن فهمه باعتباره ردّ فعل عابراً، بل هو انعكاس لبنية فكرية وسياسية متكاملة. لذلك يتناول جذور النظام الإيراني، وطبيعة مؤسساته، وأسس رؤيته للعالم، قبل أن ينتقل إلى تحليل أدوات نفوذه الإقليمي. هذه المقاربة المنهجية تجعل القارئ اليوم يرى في كثير من تطورات المشهد- من التصعيد العسكري إلى توسيع دوائر النفوذ- امتداداً لنمط تم رصده وتحليله منذ ما يقارب ثلاثة عقود.
كما يقدّم الكتاب تفكيكاً دقيقاً لأدوات التأثير التي تعتمد عليها طهران، سواء عبر القوة الصلبة أو من خلال توظيف الأيديولوجيا والقضايا الكبرى في المنطقة. هذه النقطة تكتسب أهمية خاصة في ظل التداخل بين الخطاب السياسي والممارسة الفعلية، وهو تداخل يربك كثيراً من المراقبين ويجعل فهم المشهد أكثر تعقيداً.
ومن أبرز إسهامات هذا العمل أيضاً ربطه الوثيق بين أمن الخليج والأمن الإقليمي والدولي. فالخليج، كما يطرح، ليس مجرد فضاء جغرافي، بل ركيزة أساسية في معادلة الطاقة والاقتصاد العالمي. وبالتالي، فإن أي اضطراب فيه لا يبقى محصوراً ضمن حدوده، بل يمتد أثره إلى نطاق أوسع، وهو ما يتجلى بوضوح في الظروف الراهنة.
اللافت أن الكتاب، رغم صدوره في منتصف التسعينيات، قدّم تحذيرات مبكرة من مخاطر التقليل من شأن المشروع الإيراني أو التعامل معه بسطحية. واليوم، تبدو هذه التحذيرات أقرب إلى قراءة استباقية دقيقة، ما يعكس عمق المنهج البحثي الذي قام عليه هذا العمل الجماعي.
ولا يمكن قراءة هذا الكتاب بمعزل عن الدور الفكري والثقافي لمحرّره، معالي الدكتور جمال سند السويدي، الذي يُعد من أبرز المفكرين العرب في مجال الدراسات الاستراتيجية. فقد أسهم عبر مسيرته البحثية والمؤسسية في ترسيخ منهج علمي رصين لدراسة قضايا الخليج، وفي بناء جسور بين المعرفة الأكاديمية وصناعة القرار. كما كان له دور محوري في تعزيز الإنتاج المعرفي العربي، وتقديم قراءات متوازنة للتحولات الجيوسياسية في المنطقة.
في المحصلة، لا تكمن أهمية كتاب «إيران والخليج: البحث عن الاستقرار» في كونه عملاً بحثياً جماعياً فحسب، بل في كونه إطاراً تفسيرياً متكاملاً يساعد على فهم الحاضر واستشراف المستقبل. وفي زمن تتسارع فيه الأحداث وتتشابك فيه السرديات، يصبح الرجوع إلى مثل هذه الأعمال ضرورة لفهم أعمق-لا ترفاً فكرياً!

كاتب وإعلامي إماراتي