من السهل فهم سبب استياء العديد من الخريجين للمتحدثين في حفلات التخرج الذين يشيدون بالذكاء الاصطناعي. فهم يواجهون سوق عمل قاسياً، حيث تقترب معدلات البطالة بين الخريجين الجدد من مستويات الركود الاقتصادي، وغالباً ما يُذكر الذكاء الاصطناعي كسبب لعدم تمكنهم من إيجاد وظائف أو اضطرارهم لإعادة النظر جذرياً في خططهم المهنية.
لكن يتعين على خريجي عام 2026 أن يدركوا أن الذكاء الاصطناعي لا يُدمر فرصهم الوظيفية بعد. وقد يكون التفسير الأنسب لصعوبة سوق العمل، هو انتشار العمل من المنزل، وليس ازدهار الذكاء الاصطناعي.
تتناول دراستان جديدتان، إحداهما صادرة عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك والأخرى من كلية لندن للاقتصاد، الارتفاع الأخير في معدلات البطالة بين الشباب. وقد حلل مؤلفو دراسة كلية لندن للاقتصاد 243 مليون وظيفة جديدة و407 ملايين إعلان وظيفة عبر الإنترنت خلال الفترة من 2017 إلى 2025 في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا وكندا. ولاحظ الباحثون انخفاضاً ملحوظاً في توظيف الخريجين الجدد منذ عام 2022. ويُعتقد أن الذكاء الاصطناعي هو السبب، إذ يتركز التراجع في القطاعات التي تتبناه.
لكن هذه هي الوظائف التي تعتمد على الحواسيب، وتتطلب مهارات معرفية عالية، وتُصنف ضمن فئة الوظائف المكتبية، والتي تُعد الأنسب للعمل من المنزل، لذلك كان تأثير الذكاء الاصطناعي على التوظيف ضئيلاً.
وتفترض الدراسة أن إدارة الموظفين المبتدئين تكون أكثر تكلفة في المناطق التي ينتشر فيها العمل من المنزل. كما أن الموظفين الشباب الذين يتلقون تدريباً أقل يكونون أقل إنتاجية مما كانوا عليه في الظروف التقليدية، حتى مع تقدمهم في السن ومطالبتهم بأجور أعلى. لذا، فإن تكلفة العمل من المنزل على الخريجين الشباب، لا تقتصر على صعوبة سوق العمل فحسب، بل تُصعِّب أيضاً حصولهم على التدريب والإشراف والتوجيه الجيد، وهو ما أكدته دراسة بنك الاحتياطي الفيدرالي.
ولطالما تمتع العمل من المنزل بجاذبية، إذ يبدو أسهل وأقل تكلفة في كثير من الأحيان لكل من أصحاب العمل والموظفين، ويمكن للشركات أن تدفع أقل إذا وفرت مرونة أكبر، ومع التزام الموظفين بمهام منزلية. إلا أنه على المدى البعيد، يدفع كل من الإدارة والموظفين ثمناً باهظاً يتمثل في ضياع فرص التدريب والتطوير المهني للموظفين الشباب.
وقد يتفاقم الوضع مع زيادة انتشار الذكاء الاصطناعي. وقد يتمكن الموظفون الجدد حديثي التخرج الذين يعملون بشكل مستقل من إنجاز مهام محددة، ربما بمساعدة الذكاء الاصطناعي، لكنهم لن يتعلموا الكثير عن كيفية إدارة العلاقات في بيئة العمل، أو كسب ثقة العملاء، أو بناء شبكات علاقات، وهي مهارات أكثر قيمة في سوق العمل الذي يعتمد بصورة متزايدة على الذكاء الاصطناعي، ولا يمكن اكتساب أي منها دون التواجد في المكتب ومراقبة الزملاء ذوي الخبرة.
لا ينفي البحث الجديد تأثير الذكاء الاصطناعي على التوظيف في المستقبل، أو تأثيره الحالي على قرارات التوظيف. ومن الجدير بالذكر أيضاً أن العديد من الشركات لا تزال توظف موظفين جدداً، وإنْ كان بوتيرة أقل من السابق. وهناك عوامل كثيرة تؤثر على صحة سوق العمل، وإذا تدهور الوضع الاقتصادي، فإن الجمع بين الذكاء الاصطناعي والعمل من المنزل قد يزيد من صعوبة الأمر على الخريجين الشباب.
ويبدو جلياً أن الذكاء الاصطناعي أصبح ذريعةً لشكاوى كثيرة بشأن الوضع الاقتصادي. ولا يُسهم مسؤولو شركات التكنولوجيا في تحسين الوضع بتصريحاتهم المتكررة بأن الذكاء الاصطناعي قادر على استبدال العديد من الوظائف. بل إنهم على الأرجح يستخدمون الذكاء الاصطناعي كذريعة لتسريح الموظفين لأسباب مالية.

وفي حالة العمل من المنزل، قد يكون من الأسهل إلقاء اللوم على الذكاء الاصطناعي بدلاً من مطالبة الموظفين المترددين بالحضور إلى المكتب.
ويعترف الكثيرون بأن نجاحهم المهني في بداية توظيفهم كان يعتمد على وجود مرشدين وزملاء أكثر خبرة إلى جانبهم في المكاتب، رغم تفضيلهم العمل من المنزل حالياً. الخلاصة أن أفضل نصيحة للخريجين الجدد هي الانضمام إلى بيئة عمل نشطة داخل المكاتب للاستفادة من التدريب والتوجيه وبناء العلاقات المهنية.

*كاتبة متخصصة في الشؤون الاقتصادية، زميلة بارزة بمعهد مانهاتن.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»