لم يعُد السؤال الأهم في الملف النووي الإيراني هو ما إذا كانت طهران ستصنع قنبلة نووية، بل ما إذا كان العالم لا يزال قادراً على منعها من الوصول إلى اللحظة التي يصبح فيها صنعها خياراً سياسياً متاحاً. فبين البرنامج النووي والقنبلة النووية توجد منطقة رمادية تُعرف بالعتبة النووية، وهي المرحلة التي يتحول فيها الغموض النووي نفسه إلى أداة نفوذ وضغط سياسي واستراتيجي.
ومن هذه الزاوية، تصبح دول الخليج الأكثر تأثراً بتطورات الملف النووي الإيراني. فالقضية لا تتعلق ببرنامج نووي فحسب، بل باقتراب نظام ثوري ارتبط لعقود بتصدير الأزمات ورعاية الجماعات الإرهابية المسلحة من العتبة النووية، بما يحمله ذلك من تداعيات على معادلات الردع والاستقرار في المنطقة.
ووفقاً للتقرير الرسمي للوكالة الدولية للطاقة الذرية الصادر في 27 فبراير 2026 (GOV/2026/8)، بلغ مخزون إيران من اليورانيوم المخصّب نحو 9.9 أطنان، بينها 440.9 كيلوغراماً مخصبة حتى مستوى 60%، وهي مستويات تتجاوز بكثير متطلبات الاستخدامات المدنية التقليدية.
ولا تعني هذه الأرقام أن إيران أصبحت دولة نووية مكتملة، لكنها تعني أن المسافة التقنية الفاصلة بينها وبين القدرة النووية أصبحت أقصر. فاليورانيوم المخصّب حتى 60% يجعل الانتقال من «دولة عند العتبة النووية» إلى «دولة قادرة على إنتاج مادة انشطارية عسكرية» أقرب إلى قرار سياسي منه إلى تحدٍ تقني.
وهنا يتجلى جوهر القضية. فإيران لا تحتاج إلى امتلاك ترسانة نووية كبيرة حتى تغيّر ميزان القوة، يكفي أن تقتنع الأطراف الأخرى بأنها قادرة على إنتاجها خلال فترة قصيرة. فمجرد الاقتراب من العتبة النووية يفرض واقعاً جديداً على التحالفات وحسابات الردع والتوازنات الاستراتيجية، حتى قبل امتلاك السلاح نفسه.
ويكشف مسار المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران حجم التحوّل الذي طرأ على الملف النووي الإيراني. فالنقاش لم يعُد يدور حول التخصيب بقدر ما يدور حول مصير المخزون الذي أنتجته إيران بالفعل.
وتعتبر الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن 25 كيلوغراماً من اليورانيوم عالي التخصيب تمثل كمية كافية نظرياً لصنع جهاز نووي متفجر واحد، وهو ما يفسر تمسك طهران بالمخزون الذي راكمته، وتمسُّك واشنطن بمنع بقائه داخل إيران.
ولهذا تبدو المفاوضات أقرب إلى إدارة الواقع النووي الجديد منها إلى إلغائه. فإيران ترى في هذا المخزون أهم أوراق قوتها، بينما ترى واشنطن أن بقاءه يعني الإقرار الضمني بقدرة نووية كامنة. كما أن استهداف المنشآت النووية لا يلغي حقيقة استراتيجية أكثر تعقيداً، وهي أن المعرفة النووية التي راكمتها إيران خلال عقدين لا يمكن تدميرها بالقصف، إذ يمكن إعادة بناء المنشآت بينما تبقى الخبرات والمعرفة التقنية جزءاً من قدرات الدولة.
غير أن الخطورة الحقيقية لا تكمُن في اليورانيوم وحده، بل في طبيعة النظام الذي يقترب من العتبة النووية. فالعالم لا يقيس المخاطر النووية بحجم المخزون فقط، بل بوضوح بنية القرار السياسي والعسكري. وفي الحالة الإيرانية، يتداخل النفوذ السياسي والعسكري والأمني مع الدور الواسع للحرس الثوري، ما يجعل السؤال الأخطر ليس امتلاك القدرة النووية الكامنة، بل من يملك قرار توظيفها أثناء الأزمات.
وهنا تظهر معضلة الخليج. فالمشكلة لا تكمن فقط في استخدام سلاح نووي مستقبلاً، بل في أن الاقتراب من العتبة النووية يغيّر معادلات الردع قبل امتلاك السلاح نفسه. فعندما يصبح الخيار النووي متاحاً نظرياً، تبدأ الدول والتحالفات في إعادة حساباتها الاستراتيجية. وعندها لا تصبح القنبلة مصدر النفوذ الحقيقي، بل احتمال امتلاكها وما يفرضه من قيود على القرار السياسي والأمني في المنطقة.
ولهذا فإن جوهر الأزمة لا يكمن في اليورانيوم نفسه، بل في أن إيران تقترب من مرحلة يصبح فيها الغموض النووي المدعوم بقدرات حقيقية أداة قوة بحد ذاته. فالمعضلة لم تعد تتعلق بمنع إيران من الوصول إلى العتبة النووية، بل بما إذا كان العالم لا يزال قادراً على إعادتها إلى ما قبلها. وبين هذين الاحتمالين يتشكّل مستقبل الأمن الخليجي والتوازن الاستراتيجي في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.
*كاتب وباحث إماراتي.