لم تشهد الانتخابات التمهيدية في الولايات الست يوم الثلاثاء الماضي مفاجآت تُذكر، لكنها قدمت درسين مهمين: أولهما أن الرئيس دونالد ترامب ليس له سلطة مطلقة داخل الحزب «الجمهوري»، كما أن الحزب «الديمقراطي» لا يزال يواجه تمرداً قوياً على جناحه اليساري.
ففي ولاية أيوا، بدا أن النائب راندي فينسترا قد حسم ترشيح الحزب «الجمهوري» لمنصب حاكم الولاية لصالحه عندما حصل على تأييد ترامب في أواخر الأسبوع الماضي. ورغم أن آخر استطلاع رأي أظهر تقدم المزارع «زاك لاهن» على «فينسترا» بنقطتين، مع وجود عدد كبير من المترددين، إلا أن سجل ترامب الحافل بسحق منافسيه دفع معظم المراقبين إلى توقع فوز «فينسترا».
لكن «لاهن» تمكن من الحفاظ على مقعده بفارق ضئيل. فقد فاز بمنطقة «دي موين» الحضرية الغنية بالأصوات، وحقق تقدماً ملحوظاً في قاعدة «فينسترا» الانتخابية في شمال غرب أيوا، بما يكفي لتجاوز الأداء القوي الذي قدمه «فينسترا» في الأجزاء الشرقية والجنوبية الغربية من الولاية.
وجاء فوز «لاهن» لافتاً للنظر، جزئياً لأنه لم يترشح كـ «جمهوري» آخر من مؤيدي حركة «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً/ماغا». فقد استندت حملته الانتخابية صراحة إلى شعار «لنجعل أميركا صحية مجدداً»، وركز على التعليم وحماية المزارع العائلية بدلاً من الرسائل المعادية للمهاجرين والرسائل الثقافية التي تهيمن عادة على الحملات الانتخابية التمهيدية للحزب «الجمهوري» في العصر الحديث. باختصار، قدم «لاهن» سبباً واضحاً، لا يتماشى مع حركة «ماغا» للتصويت له، وفاز بفضله.

ينبغي أن يكون هذا درساً للحملات «الجمهورية» المستقبلية. فالمرشحون القادمون ببرامج انتخابية مقنعة ومدروسة، تختلف عن نهج ترامب، يمكنهم حشد التأييد حتى داخل الحزب «الجمهوري» الحالي. ويُعَد دعم ترامب أمراً بالغ الأهمية عندما يتبنى جميع المرشحين نسخاً مختلفة من شعار حركة «ماغا». فمن الأجدر بتحديد الأكثر تمسكاً بشعار الحركة من زعيم الشعار نفسه؟ لكن المرشحين الذين يترشحون بصدق ويعكسون شخصياتهم الحقيقية لا يزال بإمكانهم إيجاد أرضية خصبة في أماكن أخرى.
أما على الجانب «الديمقراطي»، فقد حقق الحزب الحاكم نجاحاً كبيراً. ففي ولاية أيوا، فاز مرشح الحزب المفضل، عضو مجلس النواب جوش توريك، على المرشح التقدمي زاك والز ليحصد ترشيح الحزب لخلافة السيناتورة «الجمهورية» المتقاعدة جوني إرنست.
أما ريبيكا بينيت، قائدة مروحيات سابقة في البحرية الأميركية، فقد تغلبت على ثلاثة منافسين في الدائرة السابعة المتأرجحة في نيوجيرسي. وقد وصفها البعض بأنها نسخة سياسية من حاكمة ولاية نيوجيرسي «الديمقراطية» ميكي شيريل لتشابه خلفياتهما العسكرية ومعتقداتهما الوسطية، وفي كاليفورنيا، احتلت مشرفة مقاطعة سان فرانسيسكو كوني تشان، المدعومة من رئيسة مجلس النواب السابقة نانسي بيلوسي، المركز الثاني في سباق الدائرة الـ 11، متقدمة على سايكات تشاكرابارتي، الرئيس السابق لمكتب النائبة ألكساندريا أوكاسيو كورتيز. وستواجه تشان في جولة الإعادة سيناتور الولاية سكوت وينر الذي تصدر نتائج التصويت.
وفي أبرز السباقات، يأتي التنافس على منصب حاكم كاليفورنيا وعمدة لوس أنجلوس، بدت المؤسسة «الديمقراطية» في طريقها لتحقيق النتائج التي ترغب فيها. فمع فرز نحو 60% من الأصوات، تقدم وزير الصحة السابق خافيير بيسيرا بفارق مريح على الملياردير التقدمي توم ستاير.
كما جاء «ستاير» خلف «الجمهوري» ستيف هيلتون في المنافسة على المقعد الثاني المؤهل للانتخابات العامة، ما يمنح بيسيرا على الأرجح المواجهة التقليدية التي يريدها بين «الديمقراطيين» و«الجمهوريين».

وتفوقت عمدة لوس أنجلوس كارين باس أيضاً على منافستها التقدمية، عضوة مجلس المدينة نيثيا رامان، ويبدو أنها في طريقها لجولة إعادة في نوفمبر مع نجم تلفزيون الواقع سبنسر برات «الجمهوري» المستقل، الذي حل ثانياً بنحو 65% من الأصوات في الانتخابات التمهيدية المفتوحة.
وحقق المرشحون اليساريون نتائج جيدة في سباقين انتخابيين لمجلس النواب في كاليفورنيا. يتقدم راندي فيليغاس، التقدمي، على السيناتور «الديمقراطية» جاسمت بينز في سباق مواجهة النائب «الجمهوري» ديفيد فالاداو في الدائرة الـ 22 المتأرجحة، بينما تحتل ماي فانغ، عضوة مجلس مدينة ساكرامنتو، المركز الثاني بقوة في منافستها مع دوريس ماتسوي (ديمقراطية)، شاغلة مقعد الدائرة السابعة منذ فترة طويلة. إذا صمدت فانغ، فستواجه ماتسوي في مباراة فردية في نوفمبر مع احتمال فوزها.
ويعني النجاح المستمر للمرشحين التقدميين الصاعدين أن قيادة الحزب «الديمقراطي» ستظل في حالة تأهب دائم. فالمسؤولون الحاليون والمرشحون الجدد يدركون ضرورة تبني مواقف يسارية بقدر يكفي لتجنب هزيمتهم من منافسين أكثر تقدمية. وفي المقابل، فإن كل انتصار يحققه هؤلاء المرشحون يمنح الجناح اليساري مزيداً من القوة ويشجع آخرين على خوض المعركة. وربما لا يكون اليسار المتشدد قد وصل بعد إلى أبواب السلطة، لكنه يواصل توسيع نفوذه يوماً بعد يوم.والنتيجة أن أقوى الأفكار التقليدية يُمكن هزيمتها بحملات انتخابية مُحكمة التخطيط والتنفيذ. وهذا من شأنه أن يمنح الأمل حتى لأكثر المتشائمين في مستقبل ديمقراطيتنا. وحتى الآن، وفي خضم الاستقطاب الحزبي وهيمنة المال، يبدو أن الشعب هو صاحب الكلمة العليا.
 *زميل بارز في مركز الأخلاقيات والسياسة العامة
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»