لم تكن دولة الإمارات في هذه الحرب تذود عن حياضها، وتحصّن أجواءها فحسب، بل كانت تخوض معركة أعمق: معركة حماية الوعي المجتمعي من سيول الإشاعات الممنهجة، والفبركات المضلّلة. مخطئٌ مَنْ يظن أن الإمارات واجهت الصواريخ وحدها، فقد كبحت معها زحف السرديات الزائفة، والأيديولوجيات المتربصة، والمواقف المتذبذبة التي حاولت مداهنة العدو. ولكن - بحمد الله - تهاوت تلك الأدوات الإعلامية والفكرية التي لم تصمد روايتها أمام الحقيقة، بينما أدارت الدولة المشهد بحكمة واقتدار، وبصيرة ووعي، محَلقةً - كعادتها - في سماء إنجازاتها بذات الثبات الذي اعترضت به قواتها الدفاعية صواريخ ومُسيّرات الغدر. ولهذا يحق لنا أن نقول: شكراً للحرب!

وكما قيل قديماً: وما شكري لها إلا لأني... عرفتُ بها عدوي من صديقي ففي أتون هذه الأحداث، تساقطت الأقنعة واحداً تلو الآخر، وازداد العالم ثقة بصلابة النموذج الإماراتي، وقرّت عين الوطن بتلاحم شعبه والمقيمين على أرضه، وربحت الدولة رهان الوعي، وأثبتت تفوّقها في جبهات متعددة: عسكرية، وتقنية، واقتصادية، وتعليمية، وإعلامية، وفكرية، محبطةً مخططات كانت تُحاك في الظلام.

لقد برهنت الأحداث - لمن كان في قلبه شك أو تردُّد - على صواب الرؤية الإماراتية وثبات نهجها ضد «الجماعات الإرهابية»، حيث ظلت الإمارات ثابتة راسخة شامخة، لا تميل ولا تنحني، لأنها استندت إلى بصيرة وبناءٍ تراكمي منذ عقود، فكانت «الجاهزية» هي الرد، وكان «الخروج أقوى» هو الشعار.

شكراً لهذه الحرب! التي أكدت ما هو مؤكَّد، حين كشفت مرة أخرى عن ازدواجية «جماعة الإخوان» الإرهابية، التي تتقن التلون، وتمارس «الحربائية» الدينية والاجتماعية والإعلامية والسياسية، فمنهم في منطقتنا مَنْ يهاجم وطنه، ومنهم مَنْ يصطف مع الأعداء، أو يلوذ بصمت مريب في وقتٍ لا يحتمل إلا الوضوح: (إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا).

إن هذا الفكر لا قاع له، فهو مستعد لهدم الأوطان لتحقيق أوهامه وخدمة مواليه، فهم الذين اقترحوا في زيارتهم لإيران عام 1979 مبايعة الخميني ليكون: «خليفة للمسلمين». وما زالت تلك الغاية تحركهم، (‌كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً). وما مواقفهم اليوم إلا تكرارٌ لغدرهم التاريخي إبان حرب تحرير الكويت، بصلفٍ لا يعرف حياء، ولا احتراماً للدول الوطنية، ولا شيمة عربية، ولا وفاء لأسرهم ومجتمعاتهم.

لقد أثبتت الأيام صواب الرؤية الثاقبة والحزم الذي انتهجه سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله ورعاه ، الذي طهّر دولة الإمارات من آفاتهم وفِخاخهم وسمومهم، ووقف سداً منيعاً في حفظ الدين من الاختطاف، ووقاية الأجيال من الاستغلال. وحين توهّموا أن حصوننا الفكرية هشّة، فوجدوها صلبة تتكسّر على أسوارها أعتى الأيديولوجيات. وهذا النهج الإماراتي الصلب حوّل هذه الأيديولوجيا لدى محتضنيها والراهنين عليها إلى «كلفة باهظة» وحمل ثقيل، سيضطرون لإلقائه عن كاهلهم إنْ عاجلا أم آجلا، (وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ).

فما من وقت أحوج إلى الصراحة والوضوح من هذا الوقت، فكيف يُؤتمن على الأجيال والمنابر والمناهج من هم معول هدم؟ إنهم يتربصون الدوائر بأوطانهم، ينفثون سمومهم كلما توهّموا أنهم خارج عين الرقابة والمساءلة، وكما قال تعالى: (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ)، وقد صدق المثل العربي: «الحاوي - مربي الثعابين - لا ينجو من الحيات».

فشكراً للحرب! لأنها أدخلت مفهوماً جديداً للانتصار في القاموس الإماراتي الفريد، انتصارٌ لا يُختزل في الردع فقط، بل هو نمط آخر لم يعهده التاريخ: حصادُ بناءٍ راسخ، وتزكية للمشاريع، وثقة مطلقة في نهج القرار ومسار الاستمرار. فكل صاروخٍ اعترضته دفاعاتنا، أرسى في نفوسنا قيمة، وكشف لنا عدواً، وقرَّب لها صديقاً، وأهوى بسردية، ولمّع معدن هذا الشعب النفيس بوحدته وعزيمته. إن وجود «الحساد» والمتربصين ليس إلا برهاناً على الفضل، ففي أساليب اللغة العربية إذا قيل: «كثر الله حسادك» فهو دعاءٌ لك لا عليك، لأن انعدام الحسد دليل على انعدام الأثر والفشل، كما قال الشاعر قديماً:

إني حُسدتُ فزادَ اللهُ في حَسدي... لا عاشَ من عاشَ يوماً غيرَ محسودِ

ما يُحسدُ المرءُ إلا من فضائلهِ... بالعلمِ والظرفِ أو بالبأسِ والجودِ

فليس ما بعد هذه الحرب كما قبلها وعياً وعزماً ووضوحاً، ويأبى الله إلا أن يتم نصره ونعمته على هذا الوطن، ولو كره الكارهون والأيديولوجيون.

*رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف والزكاة.