في الهند، لا تُعد الانتخابات المحلية في الولايات استفتاءً على الحكومة المركزية، بل تدور الحملات الانتخابية غالباً حول القضايا المحلية وأداء المرشحين. لكن من المؤكد أن الانتخابات الجارية الآن في عدد محدود من الولايات ستمنح لمحةً عن المزاج العام للأمة في خضم أزمة الصراع بين إيران والولايات المتحدة، والذي تسبّب في ارتفاع أسعار الوقود وجعل قضايا مثل تقلّبات العملة والتضخم في صدارة الخطاب الوطني.تجري الانتخابات في ولايات آسام (شمال شرق) والبنغال الغربية (شرقاً) وكيرالا وتاميل نادو (جنوباً)، بالإضافة إلى إقليم بودوتشيري الاتحادي. وتجري الانتخابات في تواريخ مختلفة خلال هذا الشهر، على أن تُعلن نتائجها في الأسبوع الأول من مايو. ووفقاً للجنة الانتخابات الهندية، يبلغ عدد الناخبين في المناطق الخمس 174 مليون ناخب، أي نحو 18% من إجمالي الناخبين المؤهلين في البلاد. ويبلغ مجموع المقاعد المتنافَس عليها 296 مقعداً: 126 في آسام، و140 في كيرالا، و30 في بودوتشيري.
وهذه الانتخابات مهمة لحزب «بهاراتيا جاناتا»، بقيادة رئيس الوزراء ناريندرا مودي الحاكم، الذي يسعى إلى توسيع نفوذه السياسي في البلاد. ففي ثلاث من الولايات الأربع، يحاول الحزبُ تعزيزَ وجوده السياسي واقتحام مناطق جديدة. في تاميل نادو، كانت الأحزاب الإقليمية دائماً هي المسيطرة، ولم تتمكن أحزاب وطنية مثل «بهاراتيا جاناتا» من اختراق هذا النفوذ حتى الآن. وفي جنوب الهند عموماً، يُنظر إلى الحزب على أنه حزب شمالي ذو أجندة يمينية متشددة، ولذا فقد هيمنت الأحزابُ الإقليمية دائماً. لكن الحزب هذه المرة تحالف مع الحزب المحلي «أياداماكا» في محاولة لاقتحام المنطقة وزيادة حضوره فيها.
وفي ولاية كيرالا، وهي جنوبية أيضاً، تناوب على السلطة تحالفان، أحدهما بقيادة حرب «المؤتمر»، والآخر بقيادة الحزب الشيوعي. ويبدو أن المعركة الانتخابية الرئيسية هذه المرة ستدور بين هذين التحالفين. خلال السنوات القليلة الماضية، استثمر «بهاراتيا جاناتا» الكثيرَ لتحقيق مكاسب في هذه الولاية، سعياً لتوسيع حضوره في الجنوب، حيث يُعَد أضعف سياسياً، إذ تظل قاعدته التقليدية في وسط وشمال الهند (ولايات الحزام الهندي). أما في ولاية آسام، فإن تحالف «بهاراتيا جاناتا» هو المسيطر حالياً ويسعى للاحتفاظ بالسلطة.
لكن الانتخابات الأكثر شراسةً هذه المرة ستكون في ولاية البنغال الغربية، حيث يوجد حزب «ترينامول كنجرس» الإقليمي في السلطة لثلاث فترات متتالية (15 عاماً). وعلى مدى السنوات الخمس الماضية، حاول «بهاراتيا جاناتا» جاهداً الفوز بهذه الولاية التي لم يسبق له الفوز بها، متخذاً من قضايا مثل مراجعة القوائم الانتخابية، وهي قضية مثيرة للجدل، محوراً رئيسياً. وتُعد انتخابات هذه الولاية مهمة لأنها ستكشف ما إذا كان «بهاراتيا جاناتا» قادراً على اقتحام معقل رئيسي للمعارضة في شرق الهند. ويشن الحزبُ حملتَه هناك ويركّز بشكل كبير على قضية الهجرة غير الشرعية من بنغلاديش. ولا شك في أن المنافسة في البنغال الغربية شديدة، وفي أن فوز «بهاراتيا جاناتا» هناك سيعزّز صورتَه بعد سلسلة انتصارات في ولايات شمال الهند، مما سيعزّز حكومة مودي، رغم الضغوط التي يفرضها الصراع مع إيران على الاقتصاد الهندي.
وهذه الانتخابات حاسمة أيضاً بالنسبة لأحزاب المعارضة، فهي بحاجة إلى انتصار انتخابي لمواجهة النفوذ السياسي المتنامي للحزب الحاكم. وبالنسبة لحزب «المؤتمر»، فهذه الانتخابات ستكون حاسمة وستبرز ما إذا كان الحزب وحلفاؤه في المعارضة قادرين على التوحد لمواجهة «بهاراتيا جاناتا»، إذ لا تزال وحدة المعارضة تشكّل تحدياً بسبب التناقضات الداخلية. كما ستبيّن ما إذا كانت الأحزاب الإقليمية قادرة على تشكيل توازن مقابل «بهاراتيا جاناتا» الذي يهيمن على المشهد السياسي منذ أكثر من عقد.
يخوض «بهاراتيا جاناتا» هذه الانتخابات بعد أداء جيد في انتخابات الولايات السابقة، حيث فاز في ولاية بيهار، مما عزّز ثقة الحزب بعد عام صعب شهد مواجهةً مسلحةً محدودةً مع باكستان ورسوماً جمركيةً أميركيةً متبادلة.
ويُنظر إلى انتخابات الولايات في الهند عادةً على أنها مقياس للمزاج الوطني، إذ تبيّن ما إذا كانت المعارضة لا تزال قوة ذات مصداقية، مع بقاء قضايا مثل فرص العمل وتقديم الخدمات والبنية التحتية ضمن الاهتمامات الرئيسية. لذا، رغم أن الانتخابات تجري في جنوب وشرق الهند، فإن تأثيرها السياسي سيكون مهماً على صعيد السياسة الوطنية، لأنه سيحدد مزاج الناس.
*رئيس مركز الدراسات الإسلامية - نيودلهي


