ما هو الخطر الأكبر الذي يواجه أوروبا؟ سأقول إنه ليس روسيا، ولا إيران، ولا حتى الولايات المتحدة. إنه خطر شعبويي اليمين الذين يسيّرون الاقتصادات. وقد بدا أن هذا الخطر بلغ ذروته العام الماضي بتولي الرئيس الأميركي دونالد ترامب منصبَه، حيث تعهّد باستخدام القوة الأميركية لمساعدة اليمين الأوروبي المتشدد. وفي أغسطس الماضي، أظهرت استطلاعات الرأي تقدم أحزاب اليمين المتشدد لأول مرة في الدول الأوروبية الكبرى الثلاث، أي بريطانيا وفرنسا وألمانيا. ورغم أن الخطر لم ينتهِ بعد، فهناك أدلة مشجعة أشارت، الشهرَ الماضي، إلى أن صعود اليمين ربما بدأ في الانكسار.
في إيطاليا، تعرض التحالف اليميني الحاكم لهزيمة في 23 مارس عندما رفض الناخبون إصلاحاً دستورياً مقترحاً كان يمكن أن يمنح السلطةَ التنفيذية نفوذاً أكبر على القضاء. وفي فرنسا، خلال الشهر الماضي، لم يستطع حزب «التجمع الوطني» اليميني المتشدد تحقيق النتائج المتوقعة في الانتخابات البلدية، حيث فاز في نيس، لكنه خسر في مرسيليا وليون وباريس. وفي هذه الأخيرة، حصل المرشح اليميني على 1.6 بالمئة فقط من الأصوات. أما في ألمانيا، فحقق حزب «البديل من أجل ألمانيا» أقوى نتائجه في انتخابات ولايات الغرب، لكنه خسر بشكل حاسم في منافستَين رئيسيتَين.
 والآن، وفي النتيجة الأكثر أهمية على الإطلاق، خسر رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد 16 عاماً في السلطة، محاولةَ إعادة انتخابه، الأحد، أمام منافسه من يمين الوسط، بيتر ماجيار. وهي ضربة قاسية لأنصار «ماجا» (لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى) على جانبي الأطلسي.
وقد حظي أوربان بتأييد سلسلة طويلة من القادة والسياسيين، مثل مارين لوبان (من فرنسا) وأليس فايدل (من ألمانيا)، بالإضافة إلى ترامب وبوتين، وكذلك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ورئيس الأرجنتين خافيير ميلي. وقد ذهب نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس إلى المجر الأسبوع الماضي بغية الدعاية لأوربان، وعرض ترامب دعماً مالياً للمجر إذا فاز أوربان.
لقد أُعجب كل هؤلاء بزعيم المجر، وهي دولة تقع في أوروبا الوسطى ويقل عدد سكانها عن سكان ولاية كارولاينا الشمالية. ومع ذلك أصبح أوربان بالنسبة لليمين المتشدد أشبه بفيديل كاسترو بالنسبة لليسار المتشدد.
 كان أوربان رائداً في هجماته ضد المهاجرين والنخب العالمية، وهما موضوعان أثيران لدى التيارات الشعبوية في الغرب. وكما قال عنه مستشار ترامب السابق، ستيف بانون، فقد «كان أوربان هو ترامب قبل ترامب». وقال كيفن روبرتس، رئيس مؤسسة «هيريتيج»، في 2022 بحماس: «المجر الحديثة ليست مجرد نموذج للسياسة المحافظة، بل هي النموذج الأهم.. وعلى الأميركيين والبريطانيين والإسبان والأستراليين أن يتعلموا منها».يحاول ترامب تطبيق النموذج المجري في أميركا، محاكياً محاولات بودابست لإخضاع الجامعات وترحيل المهاجرين.
إذن، ماذا تعني هزيمة اليمين المتشدد وتراجع شعبيته في المجر وبعض الدول الأوروبية الأخرى؟
أولاً، يظهر ذلك أن دعم ترامب قد يكون «قبلة الموت» بالنسبة لليمين المتشدد الأوروبي، لا سيما في وقت يسجل فيه الرئيس الأميركي أدنى مستويات تأييد على الإطلاق: في استطلاع حديث لـ«يوجوف»، كان 14 بالمئة فقط من الناس في بريطانيا وفرنسا لديهم رأي إيجابي تجاه ترامب. وفي ألمانيا كانت النسبة 10 بالمئة، وفي الدنمارك 3 بالمئة. وفي المجر، وجد استطلاع لمعهد «بابليكوس» أن 59 بالمئة من المستجيبين يعتقدون أن ترامب يساهم في الصراع العالمي أكثر من السلام.. على خلفية إساءاته للحلفاء الأوروبيين، وتهديداته بضم جرينلاند.
 بيد أن هزيمة أوربان قد تعود لطبيعة إدارته للبلاد أكثر من تراجع شعبية ترامب. وكما تلاحظ «فاينانشال تايمز»، فإن «اقتصاد الأوربانية» حوّل المجر إلى واحدة من أفقر دول الاتحاد الأوروبي، حيث ارتفعت الأسعار بنسبة 57 في المئة منذ عام 2020، أي ما يقارب ضعف معدل التضخم العام في الاتحاد الأوروبي. وكما يشهد يوضح كارتر وجو بايدن، فإن التضخم هو «نقطة ضعف» سياسية.
وفي المجر كان «بيتر ماجيار» المرشح المثالي للاستفادة من استياء الناخبين: فهو مؤيِّد سابقٌ لأوربان يتمتع بقدرة خطابية، وقد تجنّب القضايا الثقافية الحساسة، مثل قضية المهاجرين، ليركّز على سوء الإدارة الاقتصادية. وهذا درس مهم للولايات المتحدة، في ظل التضخم وتباطؤ النمو الاقتصادي.
 وفي حين أن الاختلافات بين المجر وأميركا شاسعة للغاية، فإن كلتيهما تُظهر نقطة ضعف الشعبويين في السلطة. ويكاد يكون من المستحيل على شعبويي اليمين المتشدد النجاحَ، لأنهم يتجنبون الخبراء، ويقوّضون البيروقراطية المستقلة (بما في ذلك البنوك المركزية)، ويتصرفون بطريقة متقلبة وغير متوقعة.


*زميل رئيسي في مجلس العلاقات الخارجية الأميركي


ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»