منذ أن بدأت دول العالم النامي، أو كما كانت تسمى بدول العالم الثالث قبل انهيار الكتلة الشرقية الاشتراكية والاتحاد السوفييتي السابقين والتي كانت تسمى بدول العالم الثاني يحاول قادة دول العالم النامي الحوار مع دول العالم المتقدم أو الصناعي، وتحديداً مع دول الغرب الرأسمالية - أوروبا الغربية والولايات المتحدة وكندا، لكن تلك المحاولات كانت غالباً ما تصل إلى طرق مسدودة أو جدران سميكة من الصد بسبب النظرة غير المتكافئة التي كانت تنظر بها دول الغرب إلى دول العالم النامي.
لكن دعونا نؤكد بأن الحوار كفكرة هو أمر مفيد حتى على مستوى الأفراد لحل المشاكل العالقة، فما بالك بالحوارات بين الدول التي تنتقل بها من حال إلى حال ومن صيغة وجودية إلى أخرى.
الحوار بين الدول يعني الكثير لعلاقات مجموعة من دول العالم النامي مع مجموعة أخرى من الدول المتقدمة اقتصادياً. ولو أن الحوار حول موضوع شائك كتواجد «الإخوان» في الدول الغربية ونشاطاتهم غير المنضبطة في أوروبا تكلل بالنجاح مثلاً، فإنه سيكون حواراً بناءً، ولأصبح ذا مدلولات حضارية يشترك فيها الجميع ويعملون على بلورتها وإيصالها إلى نهايات مفيدة لكافة الأطراف الداخلة في الحوار.
لكن الحوار المجرد لا يوصل إلى فهم جوهري إلا إذا اتجه بعمق نحو كشف المفاهيم الجامعة بين الأطراف الباحثة عن وسائل لحل المشاكل المطروحة على طاولة الحوار.
الأجيال الأولى من قادة دول العالم النامي تضمنوا عدداً من القادة الكاريزميين أمثال أحمد سوكارنو والمهاتما غاندي وجواهر لال نهرو وماو تسي تونج وجمال عبدالناصر وكوامي نكروما ولويس لوموببا، لكن الذين تولوا السلطة من الجيل الثاني لم يكونوا بمستوى الجيل الأول، لذلك لم يتمكنوا من كسب ثقة قادة الدول الصناعية، وكانت الحوارات معهم غير ناجحة أو مفيدة لدولهم. معظم أفراد الجيل الثاني ترأسوا أنظمة عسكرية شمولية. وفي حالات معينة كان حكم الجيوش انتقالياً تم تحويله لاحقاً إلى نظم حكم تكنوقراطية.
وفي دول أخرى أقدم قادة برجماتيون مدنيون على إدخال درجة عالية من التخطيط التقني والعقلاني إلى الحكومات الوطنية التي شكلوها في عدد من الأقطار أكثرها وضوحاً الصين فيما بعد مرحلة حكم ماو تسي تونج.
وخلال فترة الجيلين الأول والثاني من قادة دول العالم النامي اتسمت علاقات دولهم بدول الغرب الصناعي بالعداء الشديد، خاصة في فترات ظهور حركة عدم الانحياز والحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي.
لكن في فترات لاحقة حدث نوع من الانفراج في تلك العلاقات فيما بعد عام 1975 وبدأت الحوارات تزيد.
لكن تلك التغيرات لم تؤد إلى ما هو مفيد للطرفين في إطار تحقيق المصالح المشتركة للدول والشعوب، خاصة بالنسبة لدول العالم النامي.
العلاقات والحوار بين الطرفين لم تكن على قدم المساواة كما أشرنا رغم أن الطرفين مرتبطان ببعضهما على صعيد المصالح ولا يستطيع أي منهما الاستغناء عن الآخر.
إن غنى وازدهار دول الغرب مصدره ثروات دول العالم النامي المنتجة للمواد الخام والأولية. وإلى هذه المرحلة الحوار الذي يعيد إلى دول العالم النامي حقوقها ومكانتها الاقتصادية والتجارية والأدبية غير قائم ولم يوصل الأطراف المتحاورة إلى ما يرضي أي منهما.
*كاتب إماراتي


