في خِضمِّ ما يشهده العالم من أحداث ومتغيرات متسارعة، تذكّرتُ حادثة حصلت معي قبل عدة سنوات، فخلال احتفالاتنا في مركز جامع الشيخ زايد الكبير باليوم الوطني لدولة الإمارات، وُلدت فكرة بسيطة في ظاهرها، عميقة في جوهرها، اقترح فريق العمل أن تنضم الإدارة إلى إحدى الجولات الثقافية التي يقدّمها المركز لضيوفه، والتي نُخصص جزءاً منها في هذه المناسبة لتعريفهم بتاريخ الاتحاد وإنجازاته.

 

كانت الفكرة أكثر من مجرد مشاركة، كانت رغبة صادقة في أن نكون جزءاً من القصة التي نرويها للعالم، لا مجرد رواة لها أردنا أن نعيش اللحظة، ونحمل رسالة الإمارات في قلوبنا قبل كلماتنا، لنقول للعالَم إن هذه الأرض لا تروي تاريخاً فحسب، بل تصنعه كل يوم بروح الاتحاد.
وكما هي العادة، ضمّت الجولة ضيوفاً من ثقافات وجنسيات متعددة، لكن لحظة واحدة جعلت الفخر يُزهر في القلوب، حين استوقفتنا إحدى الزائرات بابتسامة صادقة وقالت: «ليس لدي سؤال، بل رغبة في التعبير عمّا شعرت به منذ وطأت قدمي أرضكم.

أنا في زيارة إلى دولة الإمارات، تجوّلتُ في إمارات الدولة، واليوم أشارككم احتفالاتكم باليوم الوطني، فأودّ أولاً أن أهنئكم بهذه المناسبة، وأهنئكم على ما حققته دولتكم من نجاحات وإنجازات عظيمة لشعبها في ظل الاتحاد، والتي لم أشهدها في بلدي رغم امتلاكه نفس الموارد والثروات، وأهمها النفط، وأؤكد أن سر هذا النجاح يكمن في القيادة».
هنا أستحضر ذكرى لا تزال حيّة في وجداني، ففي أيام دراستي للماجستير في جامعة أدنبرة في اسكتلندا، عدتُ في زيارة إلى الوطن عام 2002، خلال فترة إجازة رأس السنة الميلادية، لأجد المنطقة التي أسكنها قد تبدّلت ملامحها، من خلال أعمال التشجير وشبكات الري، سألت عن السر، فقيل لي: «الشيخ زايد، طيّب الله ثراه، مرّ بالأمس وأمر بتطوير المنطقة وتشجيرها بالنخيل». وفي اليوم التالي، رأيته بعيني في منطقتي، يُشرف بنفسه على تلك الأعمال التطويرية، يزرع الأمل قبل أن يزرع الشجر.
وتُعدّ البرزة التي يجتمع فيها قائدنا صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، في لقاءٍ أسبوعي، لوحة حيّة للقيادة الإماراتية الأصيلة، لقاءٌ يفتح أبواب القلوب قبل أبواب المجالس، حيث تمتد مساحة الحوار بلا حواجز، ويُصغي القائد إلى صوت الناس وآمالهم، وإلى رؤى المسؤولين وطموحات الشباب. في هذه البرزة، تتجلّى صورة القيادة القريبة من الناس، المتواضعة في حضورها، العميقة في رؤيتها، التي تستمد قراراتها من نبض الواقع، وتؤمن أن الصدق في التواصل هو الجسر نحو مستقبل مستدام لدولة الإمارات.
إنها أمثلة حيّة على نهجٍ راسخ منذ تأسيس الدولة، نهجٍ يصنع التميز، ويكتب قصة نجاح لا تنتهي، قصة وطنٍ جعل من القُرب من الناس عنواناً للقيادة، ومن الحوار الصادق أساساً للبناء.
يلمس الجميع داخل الإمارات وخارجها ما تبذله مؤسسات الدولة من جهود حثيثة، فكل زيارة رفيعة المستوى وكل وفد رسمي يستقبله جامع الشيخ زايد الكبير، يحمل انطباعاً واحداً لا يختلف عليه اثنان: أن هناك رؤية واضحة، متناغمة، تسري في أوصال كل مؤسسة، وكأن الجميع ينهل من منبع واحد، ويعمل بروح الفريق الواحد، إنها سيمفونية وطنية، تتناغم فيها الأدوار لتصنع لوحة من التميز، حيث تتجلى قيم الاتحاد في كل تفصيل، وتنبض بها كل خطوة على أرض الإمارات.
وهناك حقيقة يدركها كل من يعيش في الإمارات أو يزورها: هنا لم تُولد النهضة مصادفة، بل صاغتها قيادة رأت المستقبل لا كحلم بعيد، بل كمشروع حيّ يتجدد كل يوم، ليضمن حياة كريمة لكل من يعيش على هذه الأرض الطيبة.
وتجلّى هذا النهج في أصعب الظروف، حين خاطب صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان المجتمع الإماراتي أثناء جائحة كورونا، قائلاً: «لا تشلون هم»، عبارة بسيطة حملت في طياتها طمأنينة ومحبّة وحرصاً على كل مَنْ يعيش على أرض الإمارات، ووصل خيرها إلى دول شقيقة وصديقة.
ومن هذا النهج، تتشكّل مسيرة وطنٍ جعل الإنسان أولاً، فكان العطاء متبادلاً، والإنجاز ممتداً، والوفاء مُتجذِّراً في كل مرحلة من مراحلها.
*كاتب إماراتي