«عام جديد تتجدد فيه الآمال.. ويزداد العزم على مواصلة مسيرة التقدم والازدهار»، تلك هي العناوين الرئيسية التي حملتها تهنئة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة - حفظه الله - بعام 2026. تهنئة وعناوين تؤكد لمَنْ توهّموا أن دولة الإمارات قد تغيِّر اتجاهها مع تصاعد ضوضاء إقليمية وصخب إعلامي، وتنجرّ إلى ديناميات صراعية، وأزمات مُفتعلة. إن مثل هذا التقلُّب، والسياسات المترددة، والنكوص عن التوجه الاستراتيجي، لا يمكن أن تكون نهج دولة الإمارات، وإن بوصلتها في ظل قيادتها الرشيدة ثابتة راسخة في هذا العام الجديد، وفي المستقبل المنظور.
وهذا النهج، الذي يضع السلام والاستقرار هدفاً مركزياً، والتقدم والازدهار رهاناً استراتيجياً، يثير لدى بعضهم تساؤلاً يحيّرهم، وهم يتخبطون في دورات متتابعة من الصراعات والأزمات والحروب: كيف تحافظ دولة الإمارات على معادلة تبدو - عند غيرها - متناقضة: تندفع إلى آفاقٍ غير تقليدية من التنمية، وتعزيز المكانة والدور، من دون أن تنزع إلى أي نوع من العدائية، بل تتمسك بخيار السلام والاستقرار موجهاً استراتيجياً لسياساتها داخلياً وخارجياً. والجواب، في المنظور الإماراتي، يتمثل في قاعدة العمل الآتية: التنمية الحقيقية لا تُزهر في تربة الاضطراب، والسلام ليس شعاراً أخلاقياً فحسب، بل هو - في المنطق الاقتصادي والاجتماعي السليم - أصلٌ من أصول الازدهار، ونتيجةٌ له أيضاً. 
وتستند هذه المعادلة إلى ركيزتين:
أولاهما: استدامة سياسةٍ عقلانيةٍ براجماتية ترى أن المنفعة المتبادلة العادلة والمتوازنة هي أساس الاستقرار والتقدم والسلام، فلا تُدير دولة الإمارات علاقاتها على قاعدة «غلبةٍ» تُورث خصومةً، ولا على قاعدة «هباتٍ» تُورث تبعيةً، بل على شراكاتٍ تضع الربح المشترك في قلب المعادلة، ومن ثم يصبح السلام امتداداً طبيعيّاً لمنطق التوازن. 
أما الثانية، فهي القرارات غير الانفعالية، وعدم الارتهان لضجيج الإعلام حين يطلب الإثارة، ولا للقراءات المجتزَأَة المغلوطة حين تُلبَس المصالح الضيقة ثوب المبادئ. إن السياسة الهادئة، التي تنتهجها دولة الإمارات، ليست عجزاً، بل اختياراً إيجابياً وواعياً يجد منطقه في حقيقة أن الدول تُقاس بما تُنجز، لا بما تُجادل، وبما تبني، لا بما تُصعِّد.
وإذا انتقلنا من مستوى المبادئ المؤسسة إلى مستوى السياسات، نلحظ مجالات تحتل صدارة اهتمام الدولة ورهاناتها خلال عام 2026 والمستقبل المنظور، من أبرزها:
-    الذكاء الاصطناعي، واقتصاد المعرفة، بصفتهما محرِّكين للإنتاجية وتحسين الخدمات، وفي هذا السياق باتت دولة الإمارات تتصدر بالفعل عالميّاً جهود تبنِّي الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة محليّاً، وذلك عبر استراتيجية وطنية لعام 2031، تستهدف تحويل الدولة إلى مركز عالمي للابتكار الرقمي وتأمين تنافسية عالمية مستدامة. ويشمل ذلك إنشاء مراكز بيانات بقدرة 200 ميجاوات، ومختبرات بحثية بالشراكة مع «NVIDIA» و«OpenAI»، وتطوير الكفاءات الوطنية عبر برامج تعليمية وتدريبية. وبلغت الاستثمارات الوطنية الإجمالية أكثر من 543 مليار درهم.
-    اللوجستيات، والنقل المتقدم، إذ تمكّنت الإمارات من ترسيخ مكانتها مركزاً عالمياً محوريّاً للنقل واللوجستيات، عبر تطوير وإدارة شبكة متكاملة من الطرق، والسكك الحديدية، والموانئ والمطارات، محلياً وإقليمياً وعالمياً، ما عزّز كفاءتها وتنافسيتها في التجارة الدولية. ويرتبط بذلك حرص الإمارات على أن تكون رائدة وشريكة استراتيجية في مجال استكشاف الفضاء، باستثمارات تجاوزت 5 مليارات دولار، من خلال وكالة الإمارات للفضاء، ومهمات مثل «مسبار الأمل» و«MBZ-Sat». وتدعم الدولة بجهودها هذه مساعي الحفاظ على الفضاء الخارجي ساحةً للتعاون الإنساني، وليس دائرة جديدة للصراع.
-    العمل البيئي والمناخي، إذ إنه مع تقدّم دبلوماسية المياه على أجندة أولويات دولة الإمارات البيئية في عام 2026 من خلال استضافة مؤتمر الأمم المتحدة للمياه، فإن الدولة تستمر في تأكيد ما أرسته في مؤتمر «COP28»، ومن خلال ما عُرِف حينها بـ «اتفاق الإمارات»، أن التنمية المستندة إلى شروط الاستدامة هي طريق للازدهار ورفاهية البشر وللسلام. وقد استثمرت الدولة أكثر من تريليون درهم في مشروعات الطاقة النظيفة، وتمويل الحلول المناخية، ومبادرات حماية البيئة والتكيف مع تغير المناخ. وتؤكد هذه الجهود مكانة الإمارات الرائدة عالميًّا في مجال الاستدامة، وفي ربط التقدم الاقتصادي بحماية البيئة. 
وهنا، عزيزي القارئ، تتأكد فكرةٌ يجد بعضهم صعوبة في إدراكها: إن خيارات دولة الإمارات متعددة، وليست مرهونة لدولةٍ، أو منطقةٍ، أو مصلحةٍ ضيقة، لأن منطقها قائم على الشراكة والنفع المتبادل، لا على الاستقطابات التي تُقيّد فرص التعاون. ومن ثم فإن أُفق دولة الإمارات ورهانها على المستقبل لا تحدُّه جغرافيا، ولا تصغِّره مصالح آنية، أفقٌ ركيزته استقلالية القرار الإماراتي، والانفتاح على كل من اختار العقلانية والخير والسلام. ولعل من أكثر الدلائل وضوحاً على ثبات النهج واستمراريته، وعلى أولوية السلام والاستقرار في رؤية دولة الإمارات وتوجّهها نحو منطقتها والعالم، هو تقديمها نحو 98 مليار دولار أميركي مساعداتٍ إنسانية وإغاثية خارجية منذ قيام الدولة حتى منتصف عام 2024. ولم يكن لهذه المساعدات من هدف إلا خير الإنسان، واستقرار المنطقة والعالم.
*كاتب إماراتي