لم يقترب الأسبوع الثاني من الحرب مع إيران من الحل، على الرغم من التفوق الساحق للقوة الجوية الأميركية والإسرائيلية. صحيح أن القوة الجوية قادرة على مواصلة إضعاف القدرات العسكرية والاقتصادية الإيرانية، ولكن في غياب عملية برية أو انقلاب داخلي ضد الملالي (رجال الدين الحاكمين في إيران)، فمن المرجح أن يبقى النظام الإيراني قائماً ويواصل تهديد المنطقة. باستثناء القنابل النووية التي أُلقيت على اليابان في أغسطس 1945 وأدت في النهاية إلى استسلامها غير المشروط، لم تنجح القوة الجوية وحدها في إسقاط أي نظام سياسي.

ففي الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية أرسلت الولايات المتحدة فريقاً من الخبراء لدراسة تأثير القصف الاستراتيجي على الإنتاج الحربي الألماني وعلى معنويات الشعب الألماني وقدرته على مواصلة المقاومة أمام تقدم الحلفاء داخل أوروبا وداخل ألمانيا. لقد أضعفت سنوات القصف المتواصل للحلفاء عناصر مهمة من الإنتاج الحربي الألماني، خاصة مصافي النفط وشبكات النقل، كما تعرض المدنيون لصدمة نفسية بسبب تدمير المدن. لكن المواطنين العاديين أصبحوا أكثر اعتماداً على الحكومة النازية لتوفير الأساسيات، وخاصة الغذاء والمأوى. وواصل معظم العمال الذهاب إلى أعمالهم اليومية للحفاظ على استمرار الحياة. وعلى الرغم من أن كثيرين أصبحوا محبطين بشكل متزايد من هتلر وحربه، لم يكن بإمكانهم فعل الكثير لمعارضة سيطرته الوحشية على حياتهم.

ويبدو أن الوضع في إيران يتكرر بنفس الطريقة. فبينما قد تتراجع شعبية النظام نتيجةً للقمع العنيف الذي شهده في يناير، لا توجد أدلة تذكر على احتمالية أو حتى إمكانية حدوث انتفاضة شعبية. إذ ما زال النظام يسيطر على جميع مفاصل السلطة، لا سيما السلاح، وكذلك على الغذاء والخدمات الأساسية التي يحتاجها الناس للعيش. وطالما استمر القصف الأميركي والإسرائيلي، سيبقى المعارضون الإيرانيون خائفين ومقيدين. وبالنظر إلى الإذلال والخسائر التي تعرض لها النظام منذ بداية الحرب، فمن المرجح أن تبقى القيادة الجديدة متحدية، وأن تستمر في تهديد المنطقة بالفوضى.

وستُرفض دعوات ترامب إلى «الاستسلام غير المشروط»، كما أن التوقعات بظهور قيادة أكثر مرونة من داخل النظام الحالي تبدو غير واردة. ويأمل ترامب أن يتكرر في إيران ما حدث بعد الهجوم الأميركي على فنزويلا عندما أصبحت «ديلسي رودريجيز» زعيمة مطيعة بعد اختطاف نيكولاس مادورو. لكن هذا الاحتمال غير واقعي، مع أنه من الممكن تصور إمكانية إجراء حوار بين الولايات المتحدة وإيران إذا توقف القصف. وسيصر ترامب على أن تسلّم إيران مخزون اليورانيوم المخصب الذي لم يُدمَّر في الضربات الجوية التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية في يونيو.

لكن هذا لن يتحقق إلا بوجود قوات أميركية على الأرض أو بقبولها بشهادة مفتشي الأمم المتحدة بشأن حيازتها لهذا المخزون. وكلا الخيارين يتطلب خطة أميركية مختلفة تماماً لمرحلة ما بعد الحرب.

ويدرك ترامب أن إرسال قوات برية إلى إيران يحمل مخاطر سياسية كبيرة بالنسبة لمؤيديه «الجمهوريين». ومن ناحية أخرى، إذا لم يتم التوصل إلى حل للمسألة النووية، فستصبح هذه القضية محوراً أساسياً في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأميركي في نوفمبر، حيث سيهاجمه منتقدوه بسبب حرب مكلفة وغير حاسمة.

في الوقت الراهن يمكن القول إن الجيش الأميركي أثبت قدراته الهائلة، لكن الرئيس الأميركي لم يتمكن من تحقيق نتيجة دبلوماسية يمكن وصفها بأنها انتصار يعزز المصالح الأميركية، أو يضمن إزالة المخاطر التي تواجهها الدول المجاورة المهمة التي تعرضت لاعتداءات من إيران.

*مدير البرامج الاستراتيجية- مركز ناشيونال انترست