تُعدُّ الخرائط من أكثر أدوات المعرفة شيوعاً في التعليم والخطاب العام، وغالباً ما يجرى التعامل معها بصفتها تمثيلاً موضوعيّاً للعالم. غير أن التحليل التاريخي والفني لإسقاطات الخرائط يوضِّح أن هذه الأدوات ليست منفصلة عن سياقات إنتاجها، وأن أثرها لا يقتصر على الجانب التقني، بل يمتد إلى تشكيل التصورات العامة المتعلقة بأحجام القارات، ومواقعها، وأهميتها النسبية. ويبرز هذا الإشكال بصورة واضحة في «إسقاط مركاتور» الذي وضعه جيراردوس مركاتور في عام 1569، وصُمِّم أساساً لتلبية احتياجات الملاحة البحرية عبر الحفاظ على الاتجاهات والزوايا، ولكنه أدى في المقابل إلى تشوُّهات كبيرة في تمثيل المساحات الجغرافية.
وتتجلى نتائج هذه التشوُّهات عند مقارنة الأحجام الفعلية للقارات بما تعكسه الخرائط المتداولة في المناهج التعليمية والإعلام، فقارة أفريقيا، التي تتجاوز مساحتها 30 مليون كيلومتر مربع، تبدو في الإسقاط المركاتوري بحجم قريب من مساحة الولايات المتحدة الأميركية، البالغة نحو تسعة ملايين كيلومتر مربع. كما تبدو جرينلاند بحجم أكبر من أفريقيا، برغم أنها أصغر كثيراً منها. وعلى المستوى المعرفي لا يمكن عدُّ هذه الاختلالات مجرد فروق شكلية، إذ تؤدي وظيفة ضمنية في بناء تصورات ذهنية مستقرة بشأن «الوزن الجغرافي» للقارات، بما يؤثِّر في إدراك المركز والهامش بالنظام العالمي.
ومن منظور منهجي يمكن تناول قضية إسقاطات الخرائط ضمن إطار «الإدراك الاستراتيجي» بصفته عملية تفسيرية يتشكّل عبرها فهم الفاعلين للبيئة الدولية، اعتماداً على مدخلات معرفية متراكمة لا تقتصر على البيانات الصلبة فقط، بل تشمل أنماط التمثيل والتصنيف المستخدمة في المؤسسات التعليمية والإعلامية أيضاً. وفي هذا السياق تُعدُّ الخرائط جزءاً من «البناء المعرفي للتصورات»، إذ تسهم في ترسيخ أُطر ذهنية تحدّد ما يُنظَر إليه بكونه مركزاً أو هامشاً، وما يُفهَم بصفته كبيراً أو محدوداً في الوزن الجيوسياسي. وبناءً على ذلك، فإن تشوُّه التمثيل الجغرافي لا يُنتج خللاً بصريّاً فقط، بل يُنتج أيضاً انحرافاً معرفيّاً يؤثر بصورة غير مباشرة في تكوين التصورات العامة، ومن ثَم في كيفية تفسير التفاعلات الدولية، وموازين التأثير عبر الزمن.
ولا يقتصر النقاش على الإسقاطات والمساحات فقط، بل يتصل أيضاً بالمصطلحات والتسميات الجغرافية التي ترافق الخرائط، وتؤدي دوراً أساسياً في تشكيل الخطاب، فالتسمية ليست دائماً إجراءً وصفيّاً محايداً، إذ قد تكون نتاجاً لسياقات تاريخية تعكس توازنات القوة، وقدرة الفاعلين على فرض المصطلحات وتعميمها. وفي هذا الإطار تمكن الإشارة إلى أن اسم «أفريقيا» ارتبط تاريخيّاً بسرديات متعددة بشأن أصل التسمية، ومن بينها روايات تراثية تشير إلى استخدام أسماء أقدم (مثل الكيبولان) قبل شيوع المصطلح الحالي في العصور الرومانية وما بعدها. وبغضّ النظر عن التفاصيل الخلافية المرتبطة بأصول بعض التسميات، فإن المسألة الجوهرية تتمثل في أن التسمية أصبحت جزءاً من بنية معرفية دولية تتشكل وفق مصادر خارجية في كثير من الأحيان، ثم يُعاد إنتاجها داخل المؤسسات التعليمية والثقافية بصفتها مصطلحات مستقرة.
وينطبق المنطق نفسه على مصطلح «الشرق الأوسط»، إذ لا يمثِّل هذا التعبير توصيفاً داخلياً للمنطقة، بل تصنيفاً نشأ في السياق البريطاني إبان القرن التاسع عشر، بهدف توصيف المنطقة (الإقليم الممتد بين الهند والسواحل الشرقية للبحر المتوسط)، التي تقع بين مسارات النفوذ والطرق البحرية التي كانت مؤثرة في الحسابات الاستراتيجية للدولة البريطانية آنذاك، ومن ثَم، فإن المصطلح يعكس موقعاً مرجعيّاً خارجيّاً أكثر مما يعكس تعريفاً نابعاً من داخل المنطقة. وقد أدى استمرار استخدام هذا المصطلح في البحث الأكاديمي والأدبيات السياسية والإعلامية إلى ترسيخ تصور موحّد لمجال جغرافي شديد التنوع، وإدماجه ضمن بنية معرفية تُحدده انطلاقاً من موقعه «بالنسبة إلى» مركز خارجي.
وفي ضوء ذلك تكتسب الدعوات المعاصرة إلى اعتماد إسقاطات أكثر دقة، مثل إسقاط (Equal Earth)، أهمية تتجاوز الجانب الفني، فالإسقاطات البديلة تسعى إلى تقليل التشوُّهات في تمثيل المساحات الجغرافية، وتقديم صورة أقرب إلى الواقع. وفي السياق التعليمي يُصبح اعتماد مثل هذه الإسقاطات خطوة مرتبطة بتطوير جودة المعرفة الجغرافية المتداولة، وتقليل الفجوة بين الواقع العلمي والتمثيل الشائع، وإعادة ضبط بعض التصورات العامة التي شُكِّلت على أساس تمثيلات غير متوازنة.
وتشير هذه القضية في جوهرها إلى ضرورة التعامل مع الخرائط بصفتها جزءاً من المعرفة المؤسسية التي تحتاج إلى مراجعة دورية، فاعتماد إسقاطات محددة لمئات السنين أدى إلى تثبيت تمثيلات غير دقيقة داخل الوعي العام، وربط تصورات جغرافية بمفاهيم ضمنية عن المركزية والأهمية. كما أن استمرار استخدام مصطلحات جغرافية نشأت في سياقات تاريخية محددة يعزِّز بقاء أطر تصنيف قد لا تكون الأكثر دقة أو اتزاناً لفهم العالم المعاصر، وبذلك، فإن تصحيح إسقاطات الخرائط، وتطوير المصطلحات الجغرافية المتداولة، لا يُمثّلان إجراءين تقنيين فقط، بل يُعدّان أيضاً جزءاً من مراجعة معرفية أوسع تتصل بطريقة إنتاج المعرفة، وتداولها، واعتمادها في التعليم والخطاب العام.
وفي المحصّلة يمكن القول إن موضوع إسقاطات الخرائط يتجاوز كونه نقاشاً فنيّاً يتعلق بجودة الرسم، وأصبح قضية معرفية ترتبط ببناء التصورات الجيوسياسية، وتكوين الإدراك العام للعالم، ومن ثَم، فإن تعزيز استخدام إسقاطات أكثر دقة، وتوسيع النقاش العلمي بشأن المصطلحات الجغرافية، يسهمان في بناء تصوُّر أكثر اتساقاً مع المعايير العلمية، وأقل ارتباطاً بالتمثيلات المتوارثة التي شُكِّلت في سياقات سياسية محددة. وفي هذا الإطار يصبح تحديث الخرائط جزءاً من تحديث المعرفة الجغرافية نفسها، بما يدعم فهماً أكثر توازناً لواقع النظام الدولي، وتفاعلاته.
*موجِّه باحث في كلية الدفاع الوطني


