تُعدّ الحرب التجارية، حتى بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، عملًا ينطوي على قسوة مُثيرة للدهشة. فبينما يُجمع جميع خبراء الاقتصاد والأسواق والجمهور تقريباً على أن مساراً ما سيضرّ بالبلاد، فإنّ الاستمرار في هذه السياسة يتطلب قدراً كبيراً من الثقة في الأفكار الشخصية.
ومع ذلك، تُمثّل الرسوم الجمركية، من زاوية معينة، الإجراءات التي يقول الأميركيون دائماً إنهم يريدونها من المسؤولين الحكوميين. فقد خاض ترامب حملتَه الانتخابية على أساس رفع الرسوم الجمركية لإنعاش قطاع التصنيع وإجبار الدول الأخرى على معاملة الولايات المتحدة بشكل أفضل، وهو يُفي بوعده حالياً غير مبالٍ كثيراً بالتبعات قصيرة الأجل، والتي تشمل تراجع شعبيته في نتائج استطلاعات الرأي. وحتى إذا لم تُعجبنا النتائج، علينا أن نعيد النظر في التصور الشائع للكيفية التي يجب أن يحكم بها الرؤساء.
ويعود هذا المفهوم إلى سلف ترامب، وودرو ويلسون، الرئيس الثامن والعشرين للولايات المتحدة من عام 1913 إلى 1921، الذي أعلن رفضه لمفهوم الآباء المؤسسين لأميركا بشأن فصل السلطات لأنه يُعيق عمل الحكومة. وكتب ويلسون، حينما كان أكاديمياً: «لا يمكن لأي كائن حي أن تعمل أعضاؤه ضد بعضها البعض كنوع من الضوابط.. ولا يمكن أن تكون هناك حكومة ناجحة من دون قيادة». وكان ويلسون يرى أن تلك القيادة يجب أن يمنحها الرئيس، لأنه وحده في الحكومة، «وقد اختاره الشعب كافة» و«صوته هو الصوت الوطني الوحيد في الشؤون العامة».
لقد اعتدنا على هذه المفاهيم الويلسونية لدرجة أننا لم نعد نُدرك كم كانت حديثة ومبتكرة في وقتها. وعندما تُشير «الأوراق الفيدرالية»، التي كتبها عدد من مؤسسي الولايات المتحدة، إلى «القادة»، فإنها غالباً ما تشير إلى معنى سلبي، كمرادف لـ «الديماغوجيين» (الزعماء الشعبويين الذين يستغلون عواطف الناس). في تلك الكتابات، كانت مهمة الرئيس تتركز إلى حد كبير في تنفيذ إرادة الكونغرس، أي التوافق الذي يُعبّر عنه من خلال مجموعة كبيرة من الممثلين الذين يجسّدون تنوّع الشعب الأميركي الواسع.
أما اليوم، فلا يكاد أحد يستغرب عندما يصرّح مستشار ترامب، ستيفن ميلر، بأن «الرئيس يُنتخب من قِبل الشعب الأميركي بأكمله»، وبالتالي فإنه يُجسّد «الإرادة الكاملة للديمقراطية»، ويقع على عاتقه فرض تلك الإرادة على الحكومة.
ويلجأ الرؤساء المعاصرون بشكل متزايد إلى خطابات طوباوية (مثالية) تُضاهي تلك الصورة الذاتية المُتعالية التي يضعونها لأنفسهم. ووعد باراك أوباما «بتحويل كامل لاقتصادنا»، وحثّ المواطنين الأميركيين على الاتحاد بهدف واحد كما فعل جنود القوات الخاصة الذين قتلوا أسامة بن لادن تنفيذاً للعدالة (والذين كانوا، بالمناسبة، تحت قيادته). أما مفاخرة ترامب، إذ قال في حملته عام 2016 إنه سيجعل «كل حلم حلمتم به من أجل بلادكم حقيقة»، فقد أضفى على هذا النمط من الخطاب طابعه الخاص.
لكن كلما ازداد تركيز السياسة الأميركية، بشكل مفرط، على نشاط الرئيس وتدخّله المباشر، بدا أن ذلك ينعكس سلباً على البلاد. فقد شهدت العقود الأخيرة عدداً أكبر من المبادرات الطموحة التي ارتدَّت سلباً على الرؤساء الذين أطلقوها، مقارنةً بتلك التي حققت نجاحاً فعلياً. فقد أغرقت حرب العراق رئاسة جورج دبليو بوش، وأدت محاولة أوباما تنفيذ إصلاح شامل لنظام الرعاية الصحية إلى خسائر انتخابية كبيرة لمرشحي حزبه في جولات انتخابية عدة. ولم تتوقف هذه السلسلة إلا عندما ألحق «الجمهوريون» الضررَ بأنفسهم من خلال محاولتهم تنفيذ إصلاحات مضادة جريئة. أما الإنجاز العظيم الذي حققه جو بايدن في أول 100 يوم له في الحكم، فكان «خطة الإنقاذ الأميركية»، ويكفي التأمل في اسمها لمعرفة حجم الطموح (إن لم نقل الغرور) المتضمن فيها، إذ يُقال إنها ساهمت في التضخّم الذي أطاح بإدارته لاحقاً.
وتعود فكرة تمجيد أول 100 يوم من فترة رئاسة أي رئيس أميركي إلى فرانكلين روزفلت، الذي كان يعتبر نفسه وريثاً لويلسون. ولم يكن هذا التمجيد مبرراً حتى في ذلك الحين، إذ كانت أكثر سياساته طموحاً في تلك الفترة هي «قانون الانتعاش الصناعي الوطني»، والذي حاول إنهاء الكساد الكبير من خلال تشكيل تكتلات اقتصادية احتكارية. وقد فشل هذا القانون، وأُعلنت لاحقاً عدم دستوريته. ومع ذلك، ففي ثلاثينيات القرن الماضي، كان الرئيس لا يزال يشعر بأنه مُجبر على فرض إرادته من خلال السلطة التشريعية.
ونحن الآن أكلمنا الأيام المئة الأولى لوريث ويلسون الأحدث، الذي صرّح مؤخراً لمجلة «ذا أتلانتك» قائلاً: «أنا أدير البلاد والعالَم».
راميش بونورو*
*زميل في معهد «أميركان إنتربرايز»
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»


