فرح العرب في العام 2019، عندما رُفعت العقوبات الدولية والتي استمرت لعقود عن السودان، وكان هذا في حد ذاته إنجازاً تاريخياً يضاف إلى سجل النمو الاقتصادي، أو التنمية الاقتصادية التي كان العالم ينتظر تحقيقها بعد تلك الخطوة التي كانت دافعة لتحقيق الاستقرار والسلام في السودان، الذي ذاق مرارة العزلة عن محيطه العربي والإسلامي والإقليمي والدولي.

ماذا جنى السودان من الحرب الأهلية الدائرة الآن؟ كل الخسائر يتحملها الشعب السوداني الشقيق، من خلال عودة صوت العقوبات العالي إلى السطح من جديد، حيث أعلنت وزارة الخارجية الأميركية، بأن الولايات المتحدة ستفرض عقوبات على السودان بعد ثبوت استخدامه أسلحة كيماوية عام 2024.

وستتضمن قيوداً على الصادرات الأميركية وخطوط الائتمان الحكومية، وستدخل حيز التنفيذ في 6 يونيو الجاري تقريباً بعد إخطار الكونجرس. وفي الوقت ذاته تدعو الولايات المتحدة زمرة بورتسودان إلى وقف استخدام الأسلحة الكيماوية والوفاء بالتزاماتها بموجب معاهدة الأسلحة الكيميائية التي تحظر استخدام مثل هذه الأسلحة.

وبما أن أميركا قد بادرت في هذه الخطوة، فإن الدول الأخرى ستحذو حذوها في فرض العقوبات الدولية، التي قد لا تقف عند الأسلحة الكيميائية. وما إنْ خرج السودان من طوق العقوبات الذي لم يعط ثماره الاقتصادية، حتى انقلبت طاولة الحكم على رأس الشعب الذي يبحث عن الاستقرار السياسي والسلام كمن يبحث عن إبرة في كومة قش! قبل أشهر من هذا الانقلاب على حكم البشير كان الشعب يتجرع آثار تدهور الأوضاع الاقتصادية بسبب تضيق خناق العقوبات الدولية. و جاءت الحرب الأهلية لتزيد الطين بلة، ونستشهد بأحدث الإحصاءات الدالة على شدة المعناة اليومية، والتي لن تقف عند حدود ما سنورده من مؤشرات صادمة.

ونتيجة لأخطاء زمرة بورتسودان، لجأ أكثر من 8 ملايين نسمة إلى دول الجوار، وأكثر من 18 مليون نسمة يواجهون الجوع الحاد، وأكثر من 50% من السكان بحاجة إلى مساعدات عاجلة، وكل ذلك يتعلق بالجانب الإنساني.أما بالنسبة لتكاليف الحرب من الناحية الاقتصادية، فحدث عنها ولا حرج، حيث أكثر من 4 مليارات دولار يجب توفيرها من أجل مساعدة المدنيين السودانيين الذين يعانون الحصار ومشاكله التي تمس البعد الإنساني للأزمة المستفحلة منذ العام 2023، ولا زال السودانيون يدفعون أثمان الحرب الباهظة على حساب لقمة عيشهم. أما الخسائر الاقتصادية المباشرة، فقد بلغت أكثر من 15 مليار دولار، إضافة إلى أكثر من 60 مليار دولار خسائر البنية التحتية، والأكثر تضرراً هو تعطل قرابة 70% من النشاط الاقتصادي.

هذا وقد حذرت وكالات الأمم المتحدة من الحصاد الكارثي لهذه الحرب التي تطحن البلاد وتدفع الملايين إلى النزوح القسري في أسوأ أزمة إنسانية تشهدها، وفقاً لأرقام المنظمة الأممية راح ضحية المعارك الأخيرة الدائرة أكثر من 13 ألف قتيل.

وخلفت هذه الحرب العبثية نتائج كارثية على الخدمات والوضع الاقتصادي للبلاد، وبحسب أرقام صادرة عن الحكومة السودانية، يقدّر حجم الدمار والتخريب الذي طال القطاع الصحي بنحو 11 مليار دولار، وتسببت العمليات العسكرية في تعطيل عمل المستشفيات التي تعرضت للتخريب ونهب الأجهزة والمعدات. لقد عادت بعض الأمراض التي انقرضت منذ عقود إلى واجهة المجتمع السوداني، وخاصة وباء الملاريا، حيث تم تسجيل 2323 حالة إصابة جديدة و51 حالة وفاة في البلاد خلال الأسابيع الثلاثة الماضية منها 90% في ولاية الخرطوم في 20 مايو 2025.

ومع دخول الحرب في السودان عامها الثالث، ومع التراجع المستمر للخدمات العامة في البلاد، وتدهور الرعاية الصحية. ازدادت حالات الإصابة بالمرض، وبلغت 50 ألف حالة حتى يناير 2025.

*كاتب إماراتي