يُظهر تحليل بيانات اليونسكو أن أكثر من 80% من الأبحاث العلمية المنشورة عالمياً تأتي من مؤسسات غربية، بينما تساهم الدول غير الغربية بنحو 20% فقط. ورغم أن أكثر من 80% من سكان العالم يعيشون خارج الغرب، هذا الاختلال لا يقتصر على الإنتاج العلمي، بل يمتد إلى نماذج التفكير والمنهجيات التي تُفرض على المنظومة التعليمية والسياسية والثقافية في أكثر من 150 دولة، فالهيمنة الفكرية الغربية صاغت مفاهيم العقلانية والديمقراطية والحرية، لكنها في واقع الأمر كرّست تصنيفاً هرمياً للعقول والثقافات، حيث استخدمت الأمم المتحدة في عام 1945 مصطلح عالم أول، ثاني، ثالث، ورابع لتقسيم الدول وإطلاق أوصاف مثل غير المتقدم أو المتخلف، أو النامي والناشئ، لتبرير تدخلات الدول الغربية الكبرى في سياسة واقتصاد وحتى سلوك وأنماط عيش وعادات تلك الشعوب.
تُشير الدراسات الحديثة إلى أن أكثر من 40% من اللغات المحلية حول العالم معرّضة للانقراض خلال العقود القادمة، ومنظمة اليونسكو تحذر من أن 230 لغة مهددة بالزوال خلال القرن الحالي، أغلبها في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، وهذا التراجع لا يأتي مصادفةً.
كما تشير بيانات البنك الدولي إلى أن نحو 70% من التجارة العالمية تهيمن عليها شركات غربية متعددة الجنسيات، وهي تصنّع في الأسواق المحلية امتداداً لسوقها الضخم، مستغلةً أطر المعرفة الغربية لترويج نماذج استهلاكية تدمر الأنظمة الاجتماعية التقليدية.. هذه الهيمنة الاقتصادية تترافق مع تحكم في المعرفة والتكنولوجيا، حيث تسيطر الدول الغربية على أكثر من 75% من براءات الاختراع العالمية مما يجعل الشعوب غير الغربية في حالة تبعية دائمة، ولذلك من المهم بمقدار تفكيك البنية التحتية لسطوة نموذج الاعتقاد بالتفوق الغربي كأمر من المسلّمات، واكتساب المرونة والرشاقة الفكرية لإعادة رسم خارطة الهيمنة الفكرية الغربية والتفوق عليها قبل الحديث عن تعايش سلمي وتسامح، لكون المبادئ والأسس الرئيسة للتعايش والسلام بين الأمم يناقضها التاريخ والسرد العقائدي والثقافي والاجتماعي التي تؤمن به الشعوب، بعيداً عن عصا القانون وأصوات مؤسسية غير مسموعة.
ووفقاً لتقرير المنتدى الاقتصادي العالمي 2024 تشير التوجهات إلى أن 60% من سكان العالم في البلدان النامية بدأوا بتبني نماذج فكرية تدمج بين تراثهم المحلي والتقنيات الحديثة، مؤكدين أهمية تأسيس «عقلية متعددة الأبعاد» ترفض الاستعمار الفكري وتحفظ الهويات الأصيلة، وهي مدركة أن الهيمنة الفكرية الغربية هي أكثر من سيطرة ثقافية؛ إنها هندسة خفية للواقع الإنساني تحوّل العالم إلى مرآة تعكس صورة مركزية واحدة، وتمنع كل أشكال التعدد من الظهور، وفي المقابل كل نموذج بديل نشأ في الجنوب العالمي جرى تصنيفه إما فلكلوراً أو ثقافة محلية، أو حتى خرافة، لا لضعفه، بل لأنه لم يخضع للمعايير الغربية في التفكير والمعرفة ما أدى إلى نشوء عقل معياري عالمي مسيّج بنظريات غربية المنشأ، تحرسه مؤسسات التعليم، والإعلام، والتمويل، وهذا النمط المعياري يستعمر العقل ويحول الجسد لمجرد سجن لذلك العقل. من جهة أخرى، يظهر تحليل في مجلة Nature Human Behaviour (2023) أن أكثر من 92 % من التجارب النفسية والسلوكية العالمية تمت على شعوب غربية، ثم عممت نتائجها على كل الإنسانية، هذه النسبة تكشف الكارثة!
معظم «ما نعرفه عن الإنسان» مبني على نموذج قاصر ومسيّس للإنسان الغربي، وهكذا أصبحت شعوب العالم تقيس نفسها على مرآة مشوهة وليس ذلك فقط، بل إن كبرى شركات الذكاء الاصطناعي تعتمد في تدريب نماذجها على بيانات ناتجة من ثقافات غربية، ما يؤدي إلى إنتاج «عقل اصطناعي غربي بامتياز وحتى النسخ الصينية منه»، وهو ما يعيد إنتاج ذات الانحيازات المعرفية، ويعمّق الاختلال، وهو الخطر الخفي الذي ستكون نتائجه كارثية إذا ما تم الاعتماد على التقنيين والاقتصاديين والماليين فقط في إدارة ذلك الاندماج في العالم الافتراضي، حيث تولد خوارزميات مبرمجة على اختزال التنوع الثقافي الإنساني إلى نموذج موجّه، وقد صممت لتعرقل تشكيل عقل متعدد الأصوات وتحرير الشعوب من برمجتها على قبول الهرمية الحضارية.
* باحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات.


