تشهد الأوضاع في الوقت الحالي بين إيران وإسرائيل تصاعداً خطيراً يلقي بظلاله على المنطقة. فقد كانت الأمور تتجه للاتفاق والتفاهم بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران حول البرنامج النووي للأخيرة، وذلك من خلال جولات المباحثات بوساطة ورعاية من سلطنة عُمان.

لكن ما أن انتهت الأطراف من خمس جولات من المباحثات، وقبل أيام قليلة جداً من انعقاد الجولة السادسة، حتى استيقظ العالم صباح يوم الجمعة الثالث عشر من الشهر الحالي على أنباء هجوم إسرائيلي واسع النطاق ضد إيران، مُخلِّفاً خسائرَ بشريةً وماديةً جسيمةً. وفي الوقت الحالي تدور هجمات متبادلة واسعة النطاق بين الدولتين، تم فيها تخطي الخطوط الحمراء الخاصة بالبنية التحتية والمدنيين والمنشآت غير العسكرية، الأمر الذي يُنذر ليس فقط بإطالة أمد المواجهة، بل وبتوسعها، ودخول أطراف أخرى تأييداً لهذا الطرف أو ذاك.

وعلى الرغم من إدانة العديد من الدول العربية الهجوم الإسرائيلي على إيران، فإن هذا الهجوم بحد ذاته له دلالات تعكس خطأ تقدير الموقف من جانب إسرائيل. فعلى جانب سعي إيران لبناء برنامج نووي سلمي، حسب الإعلان الإيراني الرسمي، كانت هناك جهود أميركية من الإدارة الحالية لاحتواء ذلك البرنامج عبر اتفاق جديد، علماً بأنها الإدارة نفسها التي انسحبت من الاتفاق النووي السابق. ومن جانب آخر، ظلت منطقة الخليج العربي تحظى بمستوى عالٍ من الاستقرار أدى إلى بث الطمأنينة بين شركات التأمين العالمية التي تؤمّن على ناقلات صادرات المنطقة من النفط والغاز. أضف إلى هذا المستوى المعقول لأسعار النفط العالمية، سواء بالارتفاع، أو الانخفاض حسب تطورات السوق العالمية. ثم هناك التهدئة بين إسرائيل وحركة «حماس» في قطاع غزة، والجهود المبذولة من الوسطاء (جمهورية مصر العربية ودولة قطر) لنزع فتيل الأزمة بصورة نهائية.

وهكذا بصورة عامة، كانت الأوضاع في المنطقة هادئة نسبياً، وتتجه نحو مزيد من الاستقرار، إلى أن جاء الهجوم الإسرائيلي على إيران، فتبعثرت جميع تلك الأوراق. لقد توقفت المباحثات الإيرانية الأميركية بشأن البرنامج النووي الإيراني، وشهدت أسواق النفط والغاز ارتفاعاً كبيراً في الأسعار مخافة تأثير المواجهة العسكرية بين إيران وإسرائيل على المنشآت النفطية، وعلى خطوط التصدير. وعلى الرغم من انخفاض تلك الأسعار مؤخراً بسبب عدم تأثر منشآت إنتاج النفط والغاز بالضربات العسكرية السابقة، إلا أن الأوضاع ما زالت تنذر بالسوء على سوق النفط والغاز، إضافة إلى أن النزاع العسكري الإيراني الإسرائيلي أدى إلى مزيد من التأخير في حل الأزمة القائمة في قطاع غزة، وبالتالي استمرار انقطاع المساعدات الإنسانية العاجلة للسكان هناك. ولذا فالمنطقة تجد نفسَها أمام وضع خطير للغاية قد ينتج عنه أحد السيناريوهات التالية: الأول، استمرار الهجمات العسكرية بين طهران وتل أبيب، واحتمال دخول واشنطن عسكرياً على خط الحرب إلى جانب إسرائيل، لكن بعد فترة ليست بالقصيرة، وعندها قد تدخل دول أخرى إلى جانب إيران.

والثاني، دخول واشنطن مباشرةً على خط المواجهة ضد إيران في حال قامت الأخيرة بمهاجمة القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة، وهنا قد تتسع المواجهة، وتشمل دولاً عديدةً أخرى كل منها إلى جانب أحد الطرفين. أما السيناريو الثالث والأخير، والذي نرجوه جميعاً، فهو أن تتدخل أطراف دولية عبر جهود وساطة دبلوماسية تفضي إلى تهدئة الأوضاع، ووقف النزاع المسلح، والسعي لتخفيف التوتر في الشرق الأوسط.

*باحث إماراتي