في ملف الهجرة غير الشرعية، نفذ الرئيس دونالد ترامب مؤخراً مناورة نادرة وسريعة: التقلب المفاجئ في مواقفه. فقَد أمضت إدارته شهوراً في الحديث والتصرف بحزم بشأن «الترحيل الجماعي».
لكن في 12 يونيو الجاري، صرّح ترامب بأنه، لتفادي الأضرار الاقتصادية، سيستثني المزارع والفنادق والمطاعم من حملات المداهمة التي تستهدف أماكن العمل لتطبيق قوانين الهجرة. واستجابة لذلك، علّقت وزارة الأمن الداخلي تلك المداهمات. ثم، في 15 يونيو، أشار ترامب إلى أنه سيتراجع عن الاستثناءات: فعاد الترحيل الجماعي، لا سيما في الأماكن التي يرفض فيها المسؤولون «الديمقراطيون» المشاركة في تطبيق القانون. في اليوم التالي، أكدت الوزارة عودة المداهمات. لقد اعتدنا على التقلّب العشوائي من ترامب، لكن تردده مفهوم. فمن جهة، وجود ملايين المهاجرين غير الشرعيين في الولايات المتحدة يُعدّ استهزاءً بالقانون ويُثير غضب قطاعات واسعة من الرأي العام. ومن جهة أخرى، تعتمد العديد من الصناعات عليهم، وخروجهم المفاجئ سيُربك الاقتصاد – تماماً كما قال ترامب.
هذه الدوافع المُتضاربة هي السبب في أن العقود القليلة الماضية شهدت قوانين صارمة وتراخياً في تطبيقها. أحدث محاولة من ترامب لـ «التوفيق بين الطرفين» – أي شنّ حملات صارمة في الولايات «الديمقراطية» دون الولايات «الجمهورية» – لن تُحسّن الوضع إذا طُبّقت بجدية. فما معنى ذلك بالنسبة للمناطق الريفية في الولايات الليبرالية التي تطبق قوانين «الملاذات الآمنة»؟ كاليفورنيا، مثلاً، تضم عدداً كبيراً من المزارع. كما أن هذا الموقف لا يتّسم بالمنطق: فبحسب ترامب، يُفترض أن المهاجرين غير الشرعيين يمثلون تهديداً، ومع ذلك يجب أن يبقوا بين مؤيديه - وهم أكثر الناس قلقاً بشأن وجودهم في بلدنا. لكن الإسراع في تنفيذ المداهمات في كل مكان سيُعيد المشاكل التي دفعت ترامب أصلاً للتراجع.
فالخسائر الاقتصادية ستطال أنصاره وخصومه على حد سواء. كما أن أساليب إدارة ترامب في تطبيق قوانين الهجرة بدأت تولّد معارضة شعبية رغم أن ترامب يتمتع بميزة كبرى وهي أن معظم الناخبين لا يثقون في التزام الحزب «الديمقراطي» بمحاربة الهجرة غير الشرعية. وقد تكبّدت إدارته خسائر في المحاكم بسبب تفسيرها المشكوك فيه لقوانين مثل «قانون الأعداء الأجانب».
وفي غضون ذلك، فإن ترامب لا يقترب حتى – بحسب إحصاءات إدارته نفسها – من ترحيل الملايين الذين وعد ناخبي حركة «اجعلوا أميركا عظيمة مجدداً» بإخراجهم. لا سبيل أمام ترامب لتلبية هذه التوقعات أو تجنب المفاضلات الصعبة، لكن الغريب أن ترامب لم يُبدِ أي اهتمام حقيقي بسياسة يمكن أن تُخفّف من هذه التناقضات: وهي منع التوظيف غير القانوني من البداية، بدلاً من التعامل معه بعد حدوثه.
من حين لآخر، كان ترامب يؤيد فكرة إلزام الشركات الكبرى باستخدام نظام التحقق الإلكتروني، وهو نظام يضمن أن أي شخص يتم توظيفه لديه تصريح قانوني للعمل في الولايات المتحدة. لكنه لم يدفع بقوة نحو تطبيقه خلال فترته الرئاسية الأولى، وطبقة بصورة أقل خلال فترته الثانية. إن فرضاً واسع النطاق لنظام التحقق الإلكتروني سيقدّم مزايا عديدة مقارنة بما يقوم به ترامب حالياً، سيُضعف الدافع الرئيسي لعبور الحدود أو البقاء بعد انتهاء التأشيرة، وهو العمل، سيُغيّر توازن الحوافز للمهاجرين غير الشرعيين، بحيث يُفضّل بعضهم المغادرة الطوعية – أو ما يُعرف بـ «الترحيل الذاتي» – بدلاً من مواجهة المداهمات والملاحقة القضائية.
وبما أنه سيُطبّق على التوظيف الجديد فقط، فإن أثره الاقتصادي سيكون محدوداً، ولن يُحدث اضطراباً واسعاً. وأخيراً، سيسمح للجهود الأمنية المباشرة بالتركيز على المجرمين، بدلاً من الاعتماد الكثيف على مداهمات أماكن العمل. لكن هذا الحل ليس مثالياً، فنظام التحقق الإلكتروني سيُلحق الضرر ببعض المهاجرين غير الشرعيين – وسيعتمد تحديدهم على تقلبات سوق العمل. بعض أرباب العمل سيقاومون، وبعض أنصار ترامب سيتذمرون لأن النظام سيتسامح – ولو مؤقتاً – مع وجود عدد كبير من المهاجرين غير النظاميين. والنظام ذاته قد يرتكب أخطاء. يُحتمل أن يسمح القانون الحالي للرئيس بتطبيق نظام التحقق الإلكتروني بشكل إلزامي دون العودة إلى الكونجرس، والأخير يمكنه تمرير قانون يُلزم به، ويفضَّل أن يُقرن ذلك بمنح وضع قانوني للأشخاص الذين قضوا معظم حياتهم في البلاد بعد دخولهم بشكل غير قانوني كأطفال.
وبدلاً من ذلك، قد تؤول جهود ترامب لتطبيق قانون الهجرة داخل الولايات المتحدة إلى ما آلت إليه خدمة وزارة الكفاءة الحكومية: إلحاق الأذى بالرأي العام واستقطابه مقابل تحقيق تقدم ضئيل للغاية في تحقيق أهدافه المعلنة. يبدو أنه يدرك بالفعل الحاجة إلى تصحيح المسار. كل ما عليه فعله هو اتخاذ القرار الصحيح.
*كاتب أميركي
*ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج أند سينديكيشن»


