تُعدُّ ثنائية اللغة في مرحلة الطفولة من الظواهر التربوية والثقافية التي تحمل في طياتها إمكانيات هائلة لتعزيز المهارات اللغوية والمعرفية لدى الأطفال؛ فحين ينشأ الطفل في بيئة تتيح له التفاعل بلغتين أو أكثر ينفتح أمامه أفق معرفي وثقافي رَحْب، وتتشكل لديه بنية ذهنية أكثر مرونةً وتنوعاً.

إن اكتساب الطفل لغتين في سن باكرة يثري قاموسه اللغوي، ويمنحه قدرة فائقة على إدراك الفروق الدقيقة بين أنظمة اللغة المختلفة؛ فالتنقل بين اللغتين يرسخ لديه الوعي بالبنية النحوية والدلالية، ويعزز مهاراته في التحليل اللغوي، وفهم السياق. كما أن الطفل ثنائي اللغة غالباً ما يُظهر قدرة أعلى على التعبير عن الأفكار والمشاعر بدقة ووضوح؛ إذ يتاح له اختيار المفردات الأنسب من مخزون لغوي مزدوج. وتشير الدراسات الحديثة إلى أن الأطفال الذين يتعلمون لغتين يتمتعون بمرونة ذهنية أعلى، وقدرة متقدمة على حل المشكلات، واتخاذ القرارات؛ فالتبديل المستمر بين اللغتين يدرِّب الدماغ على التحكم في الانتباه والتركيز؛ ويقوي الذاكرة العاملة. كما أن هذا التمرين الذهني المستمر ينعكس إيجاباً على الأداء الأكاديمي؛ إذ يحقق الأطفال ثنائيو اللغة نتائج متقدمة في اختبارات القراءة والكتابة، حتى بلغتهم الأم. ولا تقتصر فوائد ثنائية اللغة على الجانبين اللغوي والمعرفي فحسب، بل تمتد لتشمل البعدين الثقافي والاجتماعي؛ فالتعرُّض لثقافتين مختلفتين يرسخ لدى الطفل قيم التسامح والانفتاح، ويمنحه قدرة أكبر على التكيف مع البيئات المتنوعة، كما يعزز قدرته على فهم وجهات النظر المختلفة، ويطوِّر لديه حساً اجتماعياً راقياً في التواصل مع الآخرين.

وبرغم هذه الفوائد الجمة، يواجه الطفل ثنائي اللغة، أحياناً، تحديات تتعلق بالتمييز بين اللغتين، أو الخلط بينهما، في المراحل الأولى، وهنا يبرز دور الأسرة والمؤسسات التعليمية في دعم الطفل، عبر توفير بيئة محفزة ومتوازنة، وتشجيعه على استخدام كل لغة في سياقاتها المناسبة، مع مراعاة تعزيز الهوية الثقافية، وعدم إهمال اللغة الأم.

وقد يعاني الطفل في هذه المرحلة صعوبات في لغته الأم إذا لم يُنتبه إلى هذا التحدي؛ إذ قد لا يتمكن نظامه اللغوي الأصلي من مجاراة نظام اللغة الثانية؛ ولذا نُؤكِّد دائماً أهمية دور الأسرة والمؤسسات التعليمية في دعم الطفل لغوياً. إن ثنائية اللغة ليست مجرد مهارة إضافية، بل رافد أساسيٌّ للنمو الذهني والثقافي والاجتماعي للطفل؛ فهي تفتح أمامه آفاق الإبداع والتواصل؛ وتعدُّه ليكون فرداً فاعلاً في مجتمع عالمي متعدد الثقافات، وقادراً على التفاعل الإيجابي مع تحديات العصر، ومستجداته.

*رئيس قسم اللغة العربية في جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.