وفقاً للفكر السياسي الدارج، التنمية السياسية هي عملية تفاعل مستمر بين التمايز البنائي، وضرورة الاندماج والمساواة بين المواطنين، وقدرة كل من النظامين الاجتماعي والسياسي على التقبل والاستجابة لمطالب المواطنين. المقصود بالتمايز البنائي يعود إلى الفصل بين الأدوار التي تقوم بها المؤسسات السياسية في المجتمع، والأدوار التخصصية لهذه المؤسسات بمعنى الفصل بين أدوار السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية.
هذا النوع من التمايز البنائي عادة ما يكون غير قائم في مجتمعات دول العالم النامي التي تكون قد ولجت للتو في عملية التحديث والتنمية السياسية. وما يقصد بضرورة الاندماج والمساواة هو ما يتم تعريفه في صيغ من محتويات ثلاثة، هي: المواطنة، والنظام القانوني الذي يسري على الجميع، وأنواع وسائل تحقيق الأهداف الوطنية.
وأما بالنسبة للطاقة الاستيعابية للنظامين الاجتماعي والسياسي، فيقصد بها خلق القدرة التقبلية لمطالب المواطنين ومقابلة رغباتهم من قبل حكومة متطورة وليس مجرد الجلوس على كراسي السلطة، والعمل على الاستمرارية والنجاة. الطاقة الاستيعابية بهذه الصيغة تشكل السمة المميزة للنظام السياسي المستقر والحكومة الناجحة التي تدير شؤونه بكفاءة واقتدار. هذه المحتويات تشكل لدى علماء السياسة ما يسمى «بالمتعارضة التنموية» Developmental Syndrom. التنمية السياسية معرفة، وفقاً لهذه السمات هي وظيفة للأسلوب الذي يمكن من خلاله لأي نظام سياسي التعامل مع المشكلات التي تواجهه.
ووفقاً لذلك يقوم علماء السياسة بتحديد ست مشكلات تخص التنمية السياسية، هي: الهوية الوطنية والشرعية السياسية، وتوزيع الموارد والاختراق والمشاركة السياسية، والدمج والتقبل، ويشيرون إلى أن قدرة النظام السياسي على مواجهة المشاكل وحلها هي التي تحدد نجاحه، وفقاً لواحد أو لآخر من الأبعاد التي تشكل «المتعارضة التنموية».
وإذا ما تم النظر إلى التنمية السياسية في صيغ من الطاقة الاستيعابية لقدرة النظام السياسي على التطور المستمر، تصبح المشكلة المركزية للتنمية السياسية هي مقدرة النظام السياسي على تكييف ذاته مع المطالب المتغيرة التي يتم بها الضغط عليه لكي يستوعبها في صيغ من صنع السياسة العامة التي يمكنه من خلالها تأمين وجوده واستمراريته في وجه المطالب المستمرة التي يقدمها المواطنون له، وإيجاد الصيغ الجديدة للتنظيم السياسي القائم.
عند فحص الأوجه التنموية التي يتوجب على النظم السياسية لدول العالم النامي مواجهتها عند اضطلاعها بعمليات التنمية السياسية يتضح بأنها تشكل معضلات سياسية على الصعيد الداخلي تجعل من النظم المعنية مهتمة بالتوصل إلى خمس قضايا مفصلية، هي: ما إذا كان نقل السلطة من القيادات القديمة إلى قيادات جديدة تحمل فكراً تجديدياً على صعيدي الدولة والمجتمع.
والثانية، ما إذا كان التحدي السياسي المباشر للحداثة سيؤثر على وضع النظام السياسي، داخلياً وخارجياً. والثالثة، ما إذا كان المجتمع سيبقى قائماً ومستمراً. والرابعة، ما إذا كان المجتمع سيستمر في حكم نفسه بنفسه. والخامسة، ما إذا كان المجتمع سيدخل الحقبة الحديثة، وهو لديه مؤسسات متطورة. وفي سياق ذلك لا بد من شرح السرعة التي يتم بها التحول والتي يتمكن من خلالها القادة التحديثيون من الاستقرار في أوضاعهم، وما هي درجة عدم الاستقرار التي تشهدها الدولة والمجتمع خلال تلك الفترة.
*كاتب إماراتي


