ظهرت الرأسمالية ونمت وترعرعت في أوروبا كأمر ملازم لتراجع النزعة الدينية والأخلاق، وكرفيق درب للإمبريالية التوسعية في صور من الاستغلال للأقوام الأخرى حول الكرة الأرضية. لذلك، فإن كل من الرأسمالية والإمبريالية تستحقان الرفض الفكري لسبب رئيسي هو أنهما غارقتان في الشغف بالمادة وبأيديولوجيا الاستغلال للأفراد وللشعوب المستضعفة.
إن كامل الفكر الاقتصادي الغربي الواقع مبدئياً تحت نفوذ الفلسفة الرأسمالية رافض لقبول تفوق أنواع القيم الموجودة في أنماط وصيغ السلوك الاقتصادي والسياسي والاجتماعي لدى الأمم الأخرى، ولا توجد لديه مفاهيم أخلاقية متعلقة بفكرة الحلال والحرام. وعليه إذا كنّا قد انتقدنا جلب وتطبيق الاشتراكية في بعض الدول العربية، فنحن بشكل متوازٍ، ننتقد أية نظريات أو مقولات فكرية يتم استجلابها من الخارج ويتم تطبيقها كتقليد كامل في البلاد العربية، وهي تخص ثقافات وشعوب أخرى. إن كلا الفكريْن الرأسمالي والاشتراكي هما نتاج خالص للحضارة الغربية ويمثلان وجهان لعملة واحدة. وهذا يعني أن ما ننادي به هو ابتكار نظم خاصة بدول العالم العربي بعيدة عن تقليد الآخرين تكون قادرة على مواجهة النظم والأفكار المستوردة المرتبطة بالحضارات الأخرى.
إن عدم اتفاقنا مع تطبيقات مخرجات الحضارات الأخرى على النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدول العربية لا يعني وجود مواقف كاره لتلك الحضارات، فهذا غير صحيح لأنه توجد فيها جوانب خيرة جديرة بالاهتمام ويمكن الاستفادة منها، لكن الاختلاف فكري مع الرأسمالية حين تكون ذات نهايات إمبريالية جشعة، ومع الاشتراكية حين تكون ذات نزعة ديكتاتورية شمولية تسلطية، فهذا هو مربط الفرس.
الرأسمالية الغربية لديها نظرتها الخاصة للحياة، وينتج عنها أنواع من التوجهات، وتُقام على أساسها تنظيمات سياسية واقتصادية واجتماعية وفكرية وثقافية يتم تسخيرها لخدمة أهدافها ونهاياتها وأغراضها، لكن سمتها الأساسية هي الشغف بالمال وتكوين الثروات الشخصية.
ومن عيوبها الجوهرية أنها في صميم فكرها ترفض القبول بفكرة أن السلطة العليا في هذا الكون، هي سلطة الخالق عز وجل، وهي ترفض الرمزية الأخلاقية المرتبطة بالأديان أمام سطوة المادية وسلطة المال، لذلك، هي تحرك في الإنسان شيئاً واحداً فقط، هو أن يسعى إلى جني المال لكي يصبح غنياً بأيّة طريقة ممكنة، فالغاية هنا تبرر الوسيلة ضمن فكر عملي براجماتي ذرائعي قائم على مبدأ دعه يعمل.. دعه يمر لكي يحقق الثروة المادية ومن خلالها الوصول إلى السلطة السياسية والوجاهة الاجتماعية.
وعن طريق استخدام الثروة والسلطة والنفوذ والوجاهة يمكن للإنسان أن يشبع شهواته متجاهلاً جميع المبادئ الأخلاقية وأنماط المسؤولية الاجتماعية. إن هذه التوجهات، هي التي تعمل كمصدر رئيسي لجميع صيغ عدم العدالة وللاستغلال. وللحديث صلة.
*كاتب إماراتي


