في مكتب ميناء مؤسسة علوم المحيطات المطل على رصيف «وودز هول» في الطرف الجنوبي من كيب كود بولاية ماساتشوستس الأميركية، يعلو الجدار لوحة جدارية قديمة، أوراقها مصفرة، لكنها تروي بصمت قصة غنية تعود لأكثر من 90 عاماً. وتعرض اللوحة خطوطاً متموجة مرسومة على ورق طباعة تقليدي، تتخللها ملاحظات مكتوبة بخط يد أحد أفراد طاقم الغواصة الأميركية «يو إس إس غيتارو»، حيث يقول فيها: «يسر ضابط الهندسة أن يرسل هذه البطاقة، فهي تعني أننا نجونا من المهمة».
وقد أُرسلت اللوحة إلى المؤسسة بعد إحدى المهام التي خاضتها الغواصة في خضم الحرب العالمية الثانية. وتُظهر خطوطها المتلاشية تغيرات درجة الحرارة مع العمق، وهي بيانات سُجلت باستخدام جهاز يُدعى «باثيثرموغراف»، أو «بي تي»، وهو أداة صُنعت في وودز هول على يد آلين فاين. وطُور الجهاز في ثلاثينيات القرن العشرين لدراسة كيفية انتقال الصوت عبر مياه البحر، وحقق غاية جديدة وملحة خلال الحرب، ليصبح ميزة خفية للقوات البحرية الأميركية، وهي واحدة بين عدة فوائد وفرتها علوم المحيطات، حيث مكنت السفن السطحية من رصد الغواصات بدقة أكبر، وساعدت غواصين مثل طاقم «الغيتارو» على الهروب عبر الغوص أسفل «الثرموكلاين»، وتغيرات مفاجئة في درجة الحرارة عند أعماق معينة، ويمكنها أن تُحرف أو تحجب الصوت المرسَل عبر السونار.
وجاءت لحظة حاسمة أخرى لعلوم المحيطات في يونيو 1944، ففي الساعات الأخيرة قبل يوم الإنزال البحري نصح فريق من علماء المحيطات وعلماء الأرصاد الجوية، من بينهم والتر مونك، العالم الأسطوري في معهد سكريبس لعلوم المحيطات، قادة الحلفاء بتأجيل الإنزال لمدة 24 ساعة. وتنبأ تحليلهم لسلوك الأمواج وأنماط الرياح والمد والجزر في القناة الإنجليزية بفترة وجيزة من الظروف المواتية التي سمحت لآلاف الجنود بالإنزال على شواطئ نورماندي في واحدة من أكثر العمليات أهمية في التاريخ الحديث. لو حدث الغزو قبل يوم واحد فقط، لربما كانت الظروف الجوية كفيلة بإفشاله.
ولم تبدأ تقنية جهاز «بي تي» ولا التنبؤات البحرية كتقنيات عسكرية. كلاهما كان ثمرة علم المحيطات، الذي يسعى للفهم، لا القتال. لكن، في الحالتين، ساعد هذا الفهم في كسب الحرب، ومهد لعصر من الازدهار غير المسبوق. ونواجه اليوم حقبة جديدة من عدم اليقين الاستراتيجي والتحديات العملياتية متزايدة التعقيد، فوق الأمواج وتحتها. إلا أن الدرس الباقي أن الأمن القومي يعتمد على قدرتنا على مراقبة بيئة المحيطات وفهمها وتوقعها، وهي قدرة ستضرر بشدة إذا قلصت إدارة ترامب البرامج والمكاتب الرئيسية المعنية بالمحيطات والمنتشرة في جميع أنحاء الحكومة الفيدرالية في ميزانية العام المقبل.
وتعتمد العمليات البحرية الحديثة أيضاً على بيانات بيئية فورية وعالية الدقة، حيث يمكن أن يحدد نجاح أو فشل العمليات بناء على معرفة كيفية انتشار الصوت ومجرى التيارات وتشكل الجليد وتحركه، لاسيما في بيئات يُغير فيها الاحترار السريع المشهد الاستراتيجي مثل القطب الشمالي. وتتمتع الولايات المتحدة حالياً بميزة واضحة في تقنيات العمل تحت الماء والعمليات البحرية. ولا توجد دولة أخرى تعمل على سطح المحيط، أو فوقه، أو تحته، بقدرة أو خبرة أكبر، إذ لا يضاهي أسطولنا المتكامل من الغواصات وسفن الأبحاث وأجهزة الاستشعار والأنظمة غير المأهولة، لكنها ميزة آخذة في التقلص. ذلك لأن دولاً أخرى تستثمر بقوة في البحوث البحرية، والبنية التحتية، والتقنية.
وتنشر الصين خاصة منصات ذاتية التشغيل، وتبني سفناً بحثية وكاسحات جليد بوتيرة لم تواكبها الولايات المتحدة. وهذه الاستثمارات ليست علمية فحسب، بل استراتيجية، وستسهم في تشكيل ميزان القوى في محيطات العالم لعقود قادمة. ورغم ذلك، لا تزال الاستثمارات الفيدرالية في علم المحيطات ضئيلة بشكل غير متناسب. ففي السنوات الأخيرة، شكلت أقل من 0.2% من الإنفاق التقديري الفيدرالي، وستقلص المقترحات الحالية ذلك أكثر.
وتشمل هذه الاقتطاعات تقليصاً بنسبة 42% في دعم مكتب البحوث البحرية للأبحاث الأكاديمية الأساسية، وتخفيضاً بنسبة 64% لقسم علوم المحيطات في المؤسسة الوطنية للعلوم، وإلغاء مكتب البحوث المحيطية والغلاف الجوي في الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي. وإذا نُفذت هذه التخفيضات، فإننا نخاطر بالتخلف في سباق لا يمكننا تحمل خسارته. وكانت الولايات المتحدة، وستظل دائماً، أمة بحرية. فمنذ الأيام الأولى للتجارة والاستكشاف، ارتبط أمننا واقتصادنا وهويتنا بالبحر. ويسافر حالياً أكثر من 90% من التجارة العالمية عبر السفن، وأكثر من 95% من البيانات الدولية تنتقل عبر كابلات ألياف بصرية في قاع البحر.
ويعتمد أسلوب حياتنا على وصول آمن وموثوق إلى المجال البحري، فوق سطح البحر وتحته. ولكن لكي نكون رائدين في البحر، يجب أن نفهمه، حيث تعتمد قيادتنا على التزام وطني متجدد بعلوم المحيطات، مما يعني اعتبار أنظمة مراقبة المحيطات على أنها بنية تحتية حيوية. ويعني ذلك التمويل الكامل لوكالات مثل مكتب البحوث البحرية، ومؤسسة العلوم الوطنية، والإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي. ويعني أيضاً توسيع شبكات الرصد، والاستثمار في الأنظمة المستقلة، وتحديث أسطول البحث الأكاديمي، وضمان حصول الجهات العلمية والعسكرية إلى أحدث الأدوات لاستكشاف المحيط وفهمه.
ولطالما شكلت مؤسسات مثل «وودز هول» و«سكريبس» وغيرهما العمود الفقري للريادة الأميركية في مجال المحيطات. وعندما طور باحثو وودز هول جهاز «بي تي»، الذي يرصد درجات الحرارة في أعماق المحيط، سعوا وراء المعرفة، لا إلى الأسلحة. وعندما تنبأ «والتر مونك» وعلماء الحلفاء بالظروف البحرية ليوم «الإنرال البحري في الحرب العالمية الثانية»، سعوا إلى الدقة، لا إلى القتال. وفي كلتا الحالتين، غير عملهم مجرى التاريخ. اليوم، علينا أن نواصل ذلك النهج. إن الاستثمار في علم المحيطات لا يهدف إلى الإشباع العلمي فحسب، بل هو وسيلة لضمان جاهزيتنا، ومرونتنا، وأمننا القومي في المستقبل.
بيتر دي مينوكال*
*عالم جيولوجيا بحرية ورئيس ومدير مؤسسة وودز هول لعلوم المحيطات.
مارغريت لينن**
** مديرة معهد سكريبس لعلوم المحيطات ونائبة رئيس جامعة كاليفورنيا في سان دييغو لشؤون العلوم البحرية.
جون ريتشاردسون***
*** أدميرال متقاعد من البحرية، وكان مديراً لاستراتيجية وسياسات القيادة المشتركة للقوات المسلحة الأميركية. .
*ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»


