مما لا شك فيه أن دورَ الإعلام، بمختلف وسائله المرئية والمسموعة والمقروءة، في زمن الأزمات والحروب والصراعات، يختلف اختلافاً كبيراً عن دوره في زمن السِّلم والاستقرار. ففي أوقات الأزمات والحروب والصراعات، يتحول الإعلام من مجرد ناقل للأحداث والوقائع والمعلومات إلى لاعب رئيسي في صناعة الحدث نفسه، ولو بشكل نسبي وغير مباشر.
وكما في الموقف الحالي من الحرب التي شهدتها منطقة الخليج العربي مؤخراً، أصبح الإعلام جزءاً من الحدث، بل في قلب المعمعة، حتى كادت بعض الأحداث تختلط، كما كاد جزءٌ من الحقائق ينطمس! وفي مثل هذه الظروف يصبح التحدي الأكبر الذي يواجه الإعلام هو تحدي المصداقية.
قد تكون الرؤية غير واضحة بما فيه الكفاية، حيث يصبح من الصعب على المتلقّي التمييز بين الحقيقة والوهم، بين الوقائع والشائعات، بين التزييف غير المقصود والتزييف المتعمّد (التضليل). وفي هذه الحالة تتوسع دائرة الشائعات مع تصاعد الأحداث وتفاقم الأزمات. غير أنه هنا تحديداً تبرز مسؤولية المؤسسات الإعلامية وأهمية دورها في التحقق من صحة مصادر ودقة المعلومات. إنّ من واجب وسائل الإعلام القيام بالفحص والتحرّي قبل النشر، بغيةَ عدم الانجرار وراء شهوة السبق الإعلامي والرغبة في التفرّد بالخبر على حساب الدقة. وكما نعلم، فلربما يؤدي خبر خاطئ واحدٌ ينقل معلومةً غير دقيقة إلى إثارة مشاعر الذّعر داخل المجتمع، مما قد يؤثّر سلباً على الاستقرار الداخلي، خصوصاً في بيئة مشحونة بالتوتر جراء ظروف الحرب والصراع.
وهكذا، فإنه لا يمكن تجاهل أهمية الإعلام وحيوية دوره كأداة فعالة في توجيه الرأي العام، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. وكما هو معلوم، فإن الدول والأطراف المتنازعة يسعى كلٌ منها إلى تقديم روايته الخاصة حول الأحداث، من بدايتها إلى نهايتها، محاولاً تحقيق كسب داخلي أو خارجي، هنا أو هناك.. ولذا نلاحظ أن المعركة لا تقتصر على ميدان المواجهة المسلحة فحسب، بل يمتد نطاقها أيضاً إلى الإعلام بمختلف وسائله ووسائطه (فضائية، إذاعية، منصات تواصل اجتماعي.. إلخ).
وكما لاحظ الجميع، فقد لعبت وسائلُ التواصل الاجتماعي على الأخص دوراً مهماً في الحروب الأخيرة التي أخذت في الوقت ذاته شكلَ مواجهة إعلامية كذلك. وهنا تكمن الخطورة، لاسيما في ظل وجود خيارات متعددة لاستخدام تكنولوجيا المعلومات بالاعتماد على أكثر من أداة. وفي ظل وجود البرامج والتطبيقات المهولة التي يتوالى ظهورُها يومياً بالعشرات.. فقد أصبح أي فرد قادراً على نشر المعلومة ونقل الأخبار، سواء على شكل نصوص مكتوبة أو مقاطع مصورة أو كليهما معاً، وهو ما ساهم في تسريع تداول المعلومات، وفي فتح الباب أمام انتشار الشائعات والأخبار الكاذبة.
ومع غياب الرقابة الفورية، قد تتحول بعضُ المعلومات إلى «حقائق» متداولة رغم عدم صحتها، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد الإعلامي. وفي دول الخليج العربية، يكتسب الإعلامُ أهميةً مضاعفةً، وذلك بالنظر إلى حساسية المرحلة على الصعيد الإقليمي ككل. إن الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية يتطلب خطاباً إعلامياً متوازناً يجمع بين الشفافية والطمأنينة.
الناس في كل الدول بحاجة إلى معرفة ما يَحدث، لكنهم في الوقت ذاته يحتاجون إلى الشعور بالأمان وعدم الانجرار خلف خطابات مزيفة، سواء بغرض التهويل أم التهوين. ومن هنا، تبرز أهميةُ الوعي المجتمعي في التعامل مع المحتوى الإعلامي.
إن المتلقّي في عصرنا الحالي لم يَعُد عنصراً سلبياً، بل أصبح شريكاً في عملية تداول المعلومات. وكلما زاد وعي العاملين في المجال الإعلامي بضرورة التحقق من الأخبار قبل نشرها، تراجعت فرصُ انتشار الشائعات الضارة. ومن هنا أيضاً تنبع المسؤوليةُ المشتركةُ بين الإعلام الرسمي والجمهور في مواجهة الفوضى المعلوماتية. وفي المحصلة، يبقى الإعلام وسيلة بالغة الأهمية وشديدة الخطورة في وقت واحد، وهذا ما يتطلب تدخلات حكومية لضبطه وإعادة ترشيده.
*كاتب كويتي


