الإمارات قبل أن تنطلق إلى العالم الأوسع، صنعت سلامها الداخلي في دولة اتحادية، عبّرت خلالها كل التحديات من حولها. وكان رائد صناعة السلام الذاتي المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، وطيّب ثراه.
استطاع الشيخ زايد بحكمته البليغة وفطرته النقية، أن يجمع حوله كل القبائل، قبل أن يخطو خطوته الكبرى نحو الاتحاد السياسي.
يصف أحد الغربيين هذه الخطوة التي قام بها الشيخ زايد ونجح فيها وفق كل المقاييس السياسية بـ«دبلوماسية الصحراء» التي أجاد إدارتها ومن ثم وضعها في قالب سياسي، أثمرت من بعد وحدة سياسية، توّجت في دولة اتحادية تؤتي ثمارها اليانعة لأكثر من نصف قرن.
هذه أصل شجرة «السلام» التي توارثتها أجيال القادة الذين أوصلوا فروع شجرة السلام إلى بقية أنحاء العالم، الذي لا يبعد عنّا إلا بقدر مساحة قرية.
آخرها، وليست الأخيرة بالطبع السلام في قلب العاصمة الحبيبة أبوظبي التي شملت حواراً من أجل السلام بين أذربيجان وأرمينيا بعد سنوات من الصراع، استطاع الرئيسان أن يجلسا على كرسي السلام الإماراتي بعد عقود من الصراع.
قبل هذه المحطة، قطار السلام الإماراتي جاب أصقاع الأرض، منذ حربي الخليج الأولى والثانية، بل في قلب أوروبا الشرقية أثناء حرب البوسنة والهرسك في تسعينيات القرن الماضي، وسلام الحياد الإماراتي تواجد بقوتيه الصلبة والناعمة في أرض المعركة تسطر البطولات الإنسانية التي تخلت عنها أوروبا الغربية في حينها!
في مناطق عديدة لم تتوانَ الإمارات عن مد يد السلام التنموي الذي يصنع الأمل ويحفّز الطاقات، فالسلام الإماراتي محاط بسياج من المشاريع التنموية الاقتصادية منها والإنسانية والاجتماعية، والهدف الأسمى من ذلك ترسيخ جذور الاستقرار بدل تأجيج الصراعات السياسية الهادمة لكل خطط التنمية المستدامة.
لسنا هنا بصدد الحصر، لأن المساحة تعجز عن ضمها، ولكن نريد تعميق هذا النهج بالحقائق والوقائع، وفي الأزمة الروسية- الأوكرانية، خير دليل على نجاح نموذج السلام الذي لم يتم صناعته باستخدام القوة، بل بمفاعيل العقل الرشيد الذي يدير هذه الصناعة الإنسانية بجدارة واقتدار، مع تحمل استحقاقاتها السياسية ومسؤولياتها الدولية، ومن نتائجها الوساطة الناجحة في إطلاق سراح آلاف الأسرى بين طرفي الصراع منذ اندلاعه قبل أكثر من ثلاثة أعوام.العالم اليوم في وضعه الراهن لابد أن يصل إلى قناعة بأن ما تقوم به الإمارات في مختلف بقاع العالم من مد يد السلام الحيادي، نموذج حضاري لوقف الحروب العبثية، التي أرهقت وأهدرت مقدرات الشعوب والأمم في البقاع الساخنة أو الجارية تسخينها
صناعة السلام، شمعة تضيء آمال المتطلعين إلى الاستقرار العالمي من أجل البناء والتنمية المستدامة في مختلف أنحاء العالم والمناطق التي إنسانها أحوج إليها.
من يضيء شمعة السلام من حول العالم خير ممن يصر على إطفائها في زمن يبحث الأحرار عن ميناء سلام يرسي عنده مشاريعه المستقبلية بأمان واطمئنان.
*كاتب إماراتي


