التأم في القاهرة مؤخراً المنتدى العلمي الأول لمركز الإمام الأشعري التابع للأزهر الشريف، حول موضوع الفرق الإسلامية «من الخلاف العقدي إلى أفق الحوار وإرساء الوسطية». ومن الواضح أن الغرض من تأسيس هذا المركز في أحضان الأزهر الذي كان في السابق القلعة الأساسية للأشعرية في العالم السُّني، هو تجديد مناهج علم الكلام الذي كاد يتلاشى في العقود الأخيرة التي سادت فيها أَدْلجة الدين وتسييس العقيدة.

في السنوات الماضية، أصبحت أهم الأعمال حول علم الكلام الأشعري تصدر أساساً في الجامعات والمؤسسات البحثية الغربية، في حين تقلّص الاهتمام بهذه المباحث في أعرق الجامعات العربية، رغم أن جُلَّ أهل السنة لا يزالون متشبثين بالعقيدة الأشعرية التي هي مذهب أغلب أئمة التوحيد والفقه في التقليد الإسلامي الوسيط.

والواقع أن منزلة علم الكلام الإبستمولوجية لا تزال تطرح إشكالات معقّدة، بحيث تتباين الآراء حول هذا العلم، هل هو نمط من اللاهوت الإسلامي، أو ممارسة حوارية جدلية، أو فلسفة كاملة في الدين تقدم رؤية شاملة للعالم؟

وفي مقالة بعنوان «علم الكلام» صادرة سنة 1992، يُبيّن المستشرق الأميركي ريتشارد فرانك أن هذا العِلم ليس مجرد صناعة خطابية جدلية للدفاع عن «العقيدة الصحيحة»، كما يُقدَّم عادة في التراث الإسلامي، بل هو نسق فلسفي متكامل له مناهجه ومفاهيمه الخاصة، وقد تناول إشكاليات طبيعية وأخلاقية ودينية معقّدة مثل الحرية الإنسانية والعدالة الإلهية ونظام الطبيعة.ما يميّز علم الكلام عن اللاهوت، حسب رأينا، هو كونه لا يصدر عن منطق «عقلنة الاعتقاد في الموضوع الإلهي»، كما هو الشأن في اللاهوت المسيحي، فالمتكلمون متّفقون على أنه لا سبيل للبحث في الذات الإلهية، وإنما الاكتفاء بأثر الصفات في العالم والتجربة الإنسانية. وهكذا ندرك أن المباحث الكلامية تتمحور حول الطبيعة والوجود والأخلاق، ولا تتعلق بالميتافيزيقا ذاتها.

بيد أنه لا بدّ أن نبيّن في ضوء ملاحظة ثاقبة لابن خلدون في مقدمته أن علم الكلام انتقل منذ نهاية القرن الخامس الهجري إلى نمط من الخطاب الفلسفي الذي يتجاوز منهج الإلزامات الذي كان سائداً من قبل، بيد أن ما يعتبره ابن خلدون «طريقة فلسفية في الكلام» نراه مظهراً لتحول إبستمولوجي نوعي بدأ مع الغزالي وفخر الدين الرازي، اللذيْن استكملا المنعرج الأنطولوجي الذي دشّنته المدرسة الاعتزالية الأخيرة (البهشمية) من خلال استخدام القاموس السينوي.

ما أوضحَتْه كتابات الغزالي، في امتداداتها لدى الشهرستاني والرازي، هو ضرورة الانتقال من عِلم الجدل العقدي إلى فلسفة الدين، بحيث يتحول علم الكلام إلى مجرد مدونة اعتقاد لعموم أهل الملة، وتُصاغ مسائل النظر الإشكالي في الطبيعة والأخلاقيات والإلهيات في قوالب فلسفية تسبطن الروحانية الإسلامية في مرتكزاتها الصوفية العميقة.

وهكذا ندرك أن الأشعرية المتأخرة تحوّلت بالفعل إلى منظومة اعتقاد جماعي في مسائل الصفات والقدر والإمامة، فانتشرت على نطاق واسع، لكنّها انفصمت عن أفقها الفلسفي الذي كاد يختفي في العالم السُّني.

الأدهى من هذا كله، هو أن الأشعرية تعرّضت لضربات متلاحقة، من النزعات الإصلاحية التي رأت فيها علامة على الجمود والانغلاق والجبرية (باستثناء محاولة محمد إقبال الرائدة في كتابه تجديد الفكر الديني في الإسلام)، ثم من الاتجاهات الحداثية التي ربطتها زوراً باللاعقلانية والاستبداد (محمد عابد الجابري وحسن حنفي)، في حين حاربتها حركات الإسلام السياسي وأرادت استبدالها بما سمّته «التصور الإسلامي الخاص».

لقد ظلّ الباحث المصري علي سامي النشار يُغرِّد سنوات طوالاً وحده، داعياً إلى إعادة الاعتبار للأشعرية، من حيث هي التعبير عن المضمون العقدي المعتدل والمتسامح للإسلام السني، إلا أن الدراسات الغربية الجديدة قدّمت فعلاً خطوات ملموسة في اتجاه إبراز الجوانب الفلسفية العميقة في التقليد الأشعري، حتى في الموضوعات التي كانت في السابق مدار جدل واعتراض مثل نظريات الجوهر الفرد والكسب وقانون تأويل الصفات والأفعال... ومما يُحمَد لشيخ الأزهر الحالي فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب أنه بادر منذ توليه المسؤولية العليا إلى إعادة الاعتبار للأشعرية، وقد دعاني مع عشرات المختصين والمهتمين بفكر الإمام الأشعري إلى مؤتمر علمي حاشد عُقد في القاهرة منذ سنوات، وليس المركز الذي بدأ نشاطه العلمي خلال الآونة الأخيرة سوى ثمرة لهذا الجهد المبارك. وحاصل الأمر، أن العودة للأشعرية في تراثها العلمي وبنائها الفلسفي ضرورة قصوى لتحرير الإسلام من تعصُّب العقائد الجامدة والأيديولوجيات السياسية التي قوّضت روحانية الدين وألغت جوانبه العقلانية الثرية.

 

*أكاديمي موريتاني