حين يُذكر السلام في سياق العلاقات الدولية، غالباً ما يُنظر إليه بوصفه هدفاً بعيداً أو شعاراً دبلوماسياً عاماً أوغاية، لكن تُظهر تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة، أن السلام هو خيارٍ عملي ومنهجٍ مستمر تشكّل عبر عقود من سياسات الدولة المتدرجة التي ربطت بين الاستقرار والتنمية والانفتاح على العالم.
فمنذ تأسيس دولة الإمارات ارتبطت السياسة الخارجية الإماراتية بفكرة أساسية مفادها أن بناء الدولة داخلياً لا ينفصل عن بناء علاقات متوازنة خارجياً.
وقد انعكس ذلك في اعتماد نهج يقوم على تجنب التصعيد، ودعم الحلول السياسية، والاستثمار في الشراكات الدولية طويلة المدى. هذا التوجه لم يكن مجرد خطاب، بل ظهر في ممارسات دبلوماسية هدفت إلى تقريب وجهات النظر، والمشاركة في جهود الوساطة، ودعم المبادرات الدولية الرامية إلى تسوية النزاعات.
انطلقت هذه الرؤية من فلسفة راسخة أرساها المؤسِّس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، الذي جعل من التسامح والتعايش والانفتاح على العالم ركائز أساسية لبناء الدولة الحديثة. وقد واصلت القيادة الإماراتية الرشيدة هذا النهج، مطوِّرة رؤية استراتيجية تعتبر أن الاستثمار في السلام هو استثمار في التنمية والازدهار العالمي. ونجحت دولة الإمارات بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، في تحقيق مقاربة شاملة ومتفردة، تجمع بين الدبلوماسية الوقائية، والعمل الإنساني، والتنمية المستدامة، وتعزيز ثقافة الحوار بين الحضارات.
وقد تجلّى اهتمام الإمارات بالسلام في عدة مستويات مترابطة. فعلى المستوى الدبلوماسي، لعبت الدولة أدواراً مهمة في دعم الحلول السياسية للنزاعات، وتشجيع الحوار بين الأطراف المتخاصمة، والمشاركة في مبادرات الوساطة الدولية، إلى جانب دعمها المستمر لجهود الأمم المتحدة والمنظمات الدولية في حفظ السلام وتسوية النزاعات. كما حرصت الإمارات على تبنّي خطاب سياسي معتدل يركّز على خفض التوتر وتعزيز الشراكات الدولية القائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل. كما اهتمت الإمارات بالبُعد الإنساني كأحد أهم أدوات دعم الاستقرار العالمي. واتجهت مبكراً إلى توظيف مواردها في مشاريع الإغاثة والتنمية، سواء في مناطق الكوارث أو الدول المتأثرة بالنزاعات.
ولم تقتصر هذه الجهود على تقديم المساعدات الطارئة، بل امتدت إلى دعم التعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية، انطلاقاً من قناعة بأن معالجة جذور الأزمات الاجتماعية والاقتصادية تمثّل أساساً حقيقياً لبناء السلام.
كما عملت الإمارات على ترسيخ نموذجها المجتمعي الخاص، والذي يقوم على التعايش والتنوع. فالبيئة التي تجمع عشرات الجنسيات والثقافات تحت مظلة قانونية واحدة لم تتشكل مصادفة، بل جاءت نتيجة سياسات هدفت إلى إدارة التنوع بوصفه مصدر قوة لا عامل توتر. وقد ساعد ذلك على تقديم صورة نموذجية للدولة باعتبارها ساحة استقرار في منطقة مضطربة، ونقطة التقاء بين الشرق والغرب، وهو ما عزّز دورها كمنصة للحوار والتواصل الدولي. ثم وسّعت مفهوم السلام ليشمل أبعاداً جديدة، مثل الأمن الغذائي، والعمل المناخي، والتحول التكنولوجي. فالتحديات الحديثة لم تَعُدْ عسكرية فقط، بل ترتبط بالبيئة والاقتصاد والتكنولوجيا، وهو ما دفع الدولة إلى الاستثمار في الطاقة النظيفة، والابتكار، ومشاريع التنمية المستدامة، باعتبارها عناصر ضرورية لمنع الأزمات قبل وقوعها.
وتُثبت التجربة الإماراتية أن السلام ليس خياراً، بل استراتيجية لبناء الدول وتعزيز دورها الإيجابي بالعالم. ومن خلال دبلوماسيتها المتوازنة، ومبادراتها الإنسانية، ونموذجها في التسامح والتنمية، استطاعت الإمارات أن تكرّس حضورها كعاصمة للسلام، ليس بوصفها دولة تدعو إليه فحسب، بل دولة تصنعه وتستثمر فيه وتعمل على استدامته.
*كاتبة إماراتية


