بحضور شخصي وتواجد مكثف من الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي وبأدوار دبلوماسية ودعم لوجستي وتكتيكي من مندوب دولة الإمارات العربية المتحدة الدائم لدى منظمة اليونيسكو في العاصمة الفرنسية باريس تمكنت إمارة الشارقة من إدراج منطقة جبل الفاية الواقعة بالمنطقة الوسطى من الشارقة، ضمن قائمة التراث العالمي لليونيسكو 2025. وبذلك تكون دولة الإمارات من خلال الشارقة الإمارة الباسمة، قد سطّرت إنجازاً تاريخياً يعتد به ضمن جهود الدولة وسعيها لصون التراث الثقافي الإنساني ومعالم الآثار العالمية.

ويأتي هذا الإنجاز المبهر بعد أن تمكنت مندوبية الدولة الدائمة لدى منظمة اليونيسكو من تقديم ملف متكامل ومقنع إلى لجنة التراث العالمي في دورتها السابعة والأربعين (47) المنعقدة هذا العام في باريس لإدراج منطقة جبل الفاية ضمن قائمة منظمة اليونيسكو للتراث الإنساني العالمي، حيث اتخذت اللجنة قراراً جماعياً بالموافقة.

الوصول إلى هذا الإنجاز المشرف للشارقة لم يكن سهلاً في بداياته، لكن الجهود السخية والمثابرة التي بذلها شباب الدولة الذين عملوا على إنجاز الملف وتقودهم الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي تكللت بتحقيق ما هو مطلوب على أكمل وجه. وحقيقة أن الفاية قدمت نفسها بامتياز عند طرح ملفها للمناقشة والتصويت، وجاء الاعتراف بها جماعياً لما تتمتع به من مجموعة موروثات عالمية استثنائية، فهي تحتفظ بأحد أطول السجلات وأقدمها، والتي تعتبر متصلة ذات استمرارية لوجود بني البشر في البيئة الصحراوية القاحلة.

ولكي يتم إعداد الملف تمت الاستعانة بعدد كبير من علماء الآثار وذوي الخبرة العلمية والدبلوماسية والإدارية لكي يخرج إلى النور ويصبح جاهزاً ومكتملاً للتقديم والاعتماد والقبول. ويشير علماء الآثار والتاريخ إلى أن ما تم العثور عليه من إرث إنساني في الفاية يعود إلى أكثر من مأتي ألف عام، في حين أن الفاية ذاتها تعد نموذجاً متكاملاً لما يعرف بالمشهد الصحراوي الذي يعبر عن قدرة الإنسان على التكيف البيئي والإقامة المتصلة في الصحاري القاحلة.

وبرغم مما تتسم به منطقة جنوب الجزيرة العربية في شريطها الشمالي الصحراوي من قسوة مناخية وشح في المياه وظروف بيئية صعبة، إلا أنها شكلت منطقة تجمع كبرى كمحطة أساسية في تاريخ التطور البشري وعبور الإنسان من قارة أفريقيا وهو في طريقه إلى القارة الآسيوية.

جميع هذه المعطيات الإنسانية والأثرية والبيئية والقيمية الثقافية منحت الفاية ميزات ذات قيمة عالية ومتميزة لإدراجها على قائمة التراث العالمي، ووفرت لها بعداً علمياً وإنسانياً ذا صفات خاصة متميزة. يجدر الذكر أن العنوان الذي أدرج ملف ترشح الفاية تحته كان «المشهد الثقافي في عصور ما قبل التاريخ في الفاية». ويعد ذلك انعكاساً لما تم بذله من جهود صادقة لتأهيل الفاية وجعلها جزءاً من التراث الثقافي الإنساني، فعلى مدى ما يزيد على ثلاثين عاماً جرت أعمال تنقيب وبحث دقيقة نفذها مجموعة من علماء الآثار من جامعات وهيئات علمية عالمية مرموقة كجامعة توبنغن الألمانية وأكسفورد البريطانية وعلماء آثار مستقلين من أوروبا.

ونظراً لقوة ملف الفاية المقدم من الناحيتين العلمية والثقافية قامت رئيسة المؤتمر العام لليونيسكو سيمونا ميرلا ميكر لسكو بتثمين الدور الريادي الذي تضطلع به الإمارات في حماية وصون التراث الثقافي والطبيعي على الصعيدين الوطني والعالمي. نبارك للقيادة الرشيدة ولشعب الإمارات هذا الإنجاز المبهر ونتمنى لوطننا الغالي المزيد من الإنجازات المشرفة.

*كاتب إماراتي