في خطوة تعكس عمق رؤية القيادة، اعتمد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، نظاماً صحياً يضمن توفير الرعاية المتكاملة والخدمات الطبية للمواطنين، ليُشكّل القرار نقلة نوعية في منظومة الرعاية الصحية، ويجسّد فلسفة دولة تعتبر الإنسان ركيزة أساسية في مسيرة التنمية المستدامة. ولأن الصحة هي الأساس الذي تقوم عليه جودة الحياة، فإن القرار الذي يرتقي بالصحة من كونها خدمة مقدمة إلى حق مكفول، يعكس اهتمام القيادة بضمان سهولة الوصول إلى الخدمات الصحية عالية الجودة، استناداً إلى إطلاق منظومة وطنية متكاملة للتأمين الصحي تشمل جميع إمارات الدولة.

 

تقييم هذا القرار بموضوعية، يدعونا للنظر إليه من عدة زوايا، فهو يُشكّل درعاً حامياً للأسر المواطنة من الأعباء المالية للعلاج، خصوصاً في حالات الأمراض المزمنة أو المكلفة كالأورام والعمليات الكبرى، مما يعزّز الاستقرار الأسري والنفسي، ويقلّل حالات اللجوء إلى العلاج بالخارج. كما يرسِّخ القرار مفهوم «الأمن الصحي» الوطني، من خلال بناء نظام متكامل يضمن استمرارية وجودة الخدمات، هذا التحول الاستباقي يسبق الأزمات الصحية المحتملة بدلاً من التعامل معها بردود فعل، مما يؤسِّس لدولة أكثر قدرة على مواجهة التحديات الوبائية.

الزاوية الأهم تتعلق بمدى تأثير عامل الصحة النفسية والجسدية وانعكاسها على الاقتصاد، حيث يغفل الكثيرون عن إدراك أهمية هذا العامل، بيد أن الاستثمار في نظام صحي متكامل يُعد استثماراً مضاعف العائد، كونه يساهم في خفض الإنفاق على العلاج بالخارج، ويزيد من إنتاجية القوى العاملة الوطنية.

إنّ القرار في جوهره يجسّد النهج الإنساني والحضاري الذي تنتهجه القيادة الرشيدة، وحرصها الدائم على توفير أفضل مستويات الرعاية الصحية للمواطنين، وترسيخ مكانة الإنسان باعتباره محور التنمية وأساس استدامتها. ولا شكّ أن هذا النهج يدعم طموحات الدولة في ترسيخ نموذج صحي عالمي المستوى يضع الإنسان والأسرة والمجتمع في صميم أولوياته، إلى جانب تعزيز مكانة الدولة في الابتكار الطبي، وتطوير البحث العلمي، وتوسيع استخدام البيانات والتقنيات المتقدمة.

ووفقاً للمختصين في هذا الملف الحيوي، فإن ميزانية القطاع الصحي الاتحادي في 2025 بلغت ما يقارب 5.7 مليار درهم، مع نمو سنوي مستدام في الإنفاق الصحي الكلّي، والنظام الجديد سوف يدعم رؤية الإمارات الرامية إلى تعزيز مرونة القطاع، وتحقيق التكامل بين مختلف الخدمات الصحية، ودعم النتائج الصحية طويلة المدى للمواطنين في مختلف مراحل الحياة. الإمارات تمضي بثبات نحو ترسيخ نموذج صحي متقدم، عبر منظومة متكاملة ترتكز على الرعاية الوقائية، والتنبؤ بالمخاطر، والتدخل المبكّر، وهذا التوجه تدعمه استثمارات متواصلة في البنية التحتية، وتكامل البيانات، وابتكارات علوم الحياة، إلى جانب تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تؤدي دوراً محورياً في دعم وتحسين المسارات العلاجية، وتيسير رحلة المرضى.

وعلى ضوء ما تقدَّم، أصبحت الإمارات اليوم من أكثر الدول جاهزية للانتقال إلى مرحلة الريادة المرجعية عالمياً بحلول 2035، حيث تُقدم نموذجاً صحياً مبهراً، يتجاوز تطوير الخدمات إلى إعادة تعريف مفهوم النظام الصحي نفسه، مع مواصلة جهودها لضمان كفاءة الخدمات الصحية، ويعزّز قدرة القطاع الصحي على الاستجابة لمختلف التحديات.

دعونا نعود بالذاكرة إلى العام الفاصل 2020، عام جائحة «كوفيد 19»، حيث لم يَعُد العالم بعدها كما كان قبلها، فقد كشفت هشاشة كثير من الأنظمة الصحية، وأعادت تعريف الأمن الصحي بوصفه جزءاً من أمن الدول واستقرارها، وبرغم قسوة الجائحة، إلا أنها كانت اختباراً للجاهزية الوطنية ومدى مرونة الأنظمة الصحية في مواجهة المجهول. وبشهادة المنظمات الصحية العالمية قدّمت الإمارات خلال الجائحة واحدة من أنجح التجارب، من حيث سرعة الفحص، ووفرة اللقاحات، والتكامل الرقمي بين القطاعات، وبرزت بنجاحها الباهر في التصدي للجائحة، وبنت نموذجاً عالمياً في سرعة الاستجابة وتكامل القطاعات، ورسّخت مكانتها كأحد أكثر الأنظمة الصحية استعداداً للمستقبل.

واللافت أن الإمارات لم تتعامل مع الجائحة بوصفها أزمة مؤقتة، بل بوصفها مختبراً لتأسيس منظومات جاهزية دائمة تُعزّز أمنها الصحي المستقبلي، والنتيجة كانت واضحة: من بين أكثر من مليون إصابة، لم تتجاوز نسبة الوفيات 0.22% فقط، وهي من أدنى المعدلات في العالم.

إن الرعاية الصحة ليست مجرد خدمة تُقدم عند الحاجة، بل هي مشروع حضاري شامل، ومقياس حقيقي لريادة أي دولة، وهي ليست رفاهية، بل استثمار في أغلى مورد وطني وهو الإنسان، لذا سوف يظل هذا القرار إرثاً وطنياً يعزّز عقد الرعاية بين الدولة والمواطن، ويؤسَّس لجيل أكثر صحة وإنتاجاً.