بلغنا في ختام الحديث السابقِ سؤالاً يلحُّ في طلب الجواب: كيف تنزل المعرفة من أبراجها العالية إلى ساحات الناس؟ فالفكر الذي يُولَد في المدرّجات ومراكز البحث يظلُّ حبيس جدرانه ما دام غريباً عن جمهوره، مقصوراً على خاصّة يتنادون بلغةٍ يعجزُ العامّة عن فهمِها. فتتّسع الهُوّة بين من يُنتج المعرفة ومن يحتاجها، وتُحرَم المجتمعات من ثمرة عقولها. ومن هنا تبرز الحاجة إلى فلسفة عامّة تخرجُ إلى الميدان، فتخاطب الناس بلسانهم، وتُنير عقولهم بأدواتهم. الفلسفة التي تنعزل عن مجتمعها تذوي في وحدتها، والتي تخالط الناس تزداد حياةً وتوهّجاً.
يشهد أصل الفلسفة الأوّل أنّها ابنة الساحة العامّة قبل أن تكون ابنةَ الأكاديمية. فسقراطُ حكيم أثينا اتّخذ من السوق مجلسه، يحاور الشباب والباعة والعابرين، ويستدرجُ عقولَهم إلى النظر بأسئلته البارعة. وأعرضَ سقراط عن الكتابة جملةً، غيرَ أنّ فلسفته سرَت بين الناس مسرى الحديث الحيّ، فصارت مثالاً خالداً على الفكر الذي يعيش في الأفواه والقلوب قبل الصحائف. تلك الولادةُ في قلبِ المدينة تذكّرُنا أنّ موطن الفلسفة الأصيل هو حيث يجتمعُ الناس ويتحاورون.
ارتقى هذا المعنى على يد كانط حينَ عرّف التنوير بأنّه خروج الإنسان من قصورٍ اقترفه في حقِّ نفسِه، ورَبَطَ هذا الخروج بحرية استخدام العقل استخداماً عموميّاً أمام جمهور القرّاء. فالتنوير عنده فعل عمومي بطبيعتِه، يقتضي أن يجاهر المفكّر برأيه في الشأن العام مخاطباً الناس كافّة. ومتى انحبسَ الفكر في الغُرف المغلقة فَقَد رسالته التنويرية، إذ رسالتُه أن يوقظَ العقول ويحرّرها من وصاية الجهل. على هذا الأساس تغدو مخاطبة الجمهور صميم مهمّة الفيلسوف.
طوّر الفلاسفة المعاصرون هذه الفكرة في نظرياتهم عن «الفضاء العامّ»، ذلك الحيّز الذي يجتمعُ فيه المفكرون والمتحاورون ليتبادلوا أفكارهم ويتداولوا شؤونهم بالحجّة والبرهان. وكما رأى أغلبهم أنّ الفضاء العام ازدهر في مقاهي أوروبا وصحائفها الأولى، فإنّ منصّات اليوم امتدادٌ لتلك الساحة بوسائط أرحب. في هذا الفضاء يتكوّن الرأي العام الرشيد عبر حوارات ونقاشات مسؤولة، فيرتقي وعيُ الجماعةِ بقضاياها. والإعلام في عصرنا هو ساحة هذا الفضاء ومنبرُه الأوسع، به تنتقل الأفكار إلى الملايين، ومنه يستقي الناس صورتهم عن العالم. وحُسن توظيف الإعلام يجعلُه أكاديميةً مفتوحةً للجميع، تنشر التفكير النقدي وتُشيع ثقافة الحوار.
يفرضُ النزول إلى الجمهور على الفيلسوف فنّاً دقيقاً قوامُه التمييز بين التبسيط والتسطيح. فالتبسيط يقرّب المعنى العميق إلى الأفهام دون أن يخون جوهره، ويصوغُ الفكرة الصعبة في عبارة صافية يسيرة تحفظُ عمقها. أمّا التسطيح فيبترُ المعنى ويُفرّغه من مضمونه إرضاءً لكسل المتلقّي، فيقدّم قشوراً باسم الفلسفة. والمعادلة الصعبة أن يجمع المفكّر بين يُسر العبارة وعُمق الفكرة، فيُخاطب العامّة من غير أن يُهبطَ بالمعنى إلى الابتذال. ذلك هو الجسر الذي يصلُ برج العِلم بساحة الناس.
تُتيح منصّات الإعلام الجديد فرصةً تاريخيةً عزَّ نظيرُها في الأجيال الماضية، إذ صار في وسعِ الفكرة أن تعبر الحدود في لحظة وتبلغ أقاصي الأرض. غيرَ أنّ هذه الوفرة تحمل خطرها أيضاً، فالفضاءُ ذاته يتّسع للغثِّ والسمين، ويزدحم بالضجيج الذي يُغرق الصوت الرصين. ومن واجبِ المثقفِ أن يُزاحم بحضوره أهل التسطيح والتهييج، فيملأَ الفراغ بالمعنى قبل أن يملأه سواه. مجتمعٌ يتربّى على الفلسفةِ العامّة يكتسبُ مناعةً ضدَّ الخرافة والتطرّف، ويصير جمهوراً ناقداً يزِنُ الأقوال بميزان العقل.
يتبيّن في ختام القول إنّ الفلسفة تستردُّ رسالتها حينَ تعودُ إلى الساحة التي وُلدت فيها، وأنّ الإعلام جسرها إلى قلوب الناس وعقولهم. حينَ يلتقي عمق الفيلسوف بسعة المنبر الإعلامي، تتحوّل الفلسفة من ترفٍ نخبويٍّ إلى نور يعمُّ الجميع، ويستنيرُ بها المجتمعُ في حياته اليومية. تبقى بعد ذلك حقيقةٌ تفرضُ نفسها: أيّ حراكٍ فكري متزن ومسؤول يحتاج إلى راعٍ قادرٍ يحتضنه ويهيّئُ له أسباب الاستمرار. من يرعى الفكر ويحميه ويمدّه بأسبابِ الحياة؟ ذلك ما يقودُنا إلى دور الدولة في رعاية الفكر، موعدنا في الحديث المقبل.
*كاتب إماراتي


