منذ أيام اليونان، ولدى العرب قبل الإسلام، كان هناك دائماً وسطاء في النزاعات المسلحة وحتى في النزاعات الكلامية. عند اليونان كان هناك كاهن أو كاهنة دلفي. وعند العرب كان هناك كهانٌ أيضاً، لكنّ معظم المتوسطين في النزاعات كانوا من الكبار الذين يسميهم العرب حكماء أو حكاماً. أبرز سمات الوسطاء الحكمة والمعرفة والحياد. وهي الصفات التي تبعث على الثقة لدى سائر المتخاصمين. إنما في كل تحكيمٍ بشأن نزاع كان هناك مَن يتهم الحكَم بالانحياز إذا لم يعجبه حكمه أو لأنه قضى لخصمه.
والحكم حتى لو كان منحازاً فإنه كان يحرص أشدّ الحرص على التوازُن أو أن يكون لكلٍ من المتنازعين نصيب في الحل المعروض حتى ولو كان صغيراً أو ضئيلاً. وفي الأزمنة الحديثة وبعد قيام النظام الدولي، صارت هناك مؤسسات لحلّ النزاعات. وتأتي أهميتها من الشرعية التي أعطاها إياها التشريع الأُممي. وعنواناها الرئيسيان في النزاعات: السلام والعدالة. وكان المظنون أن شرط العدالة يجعل من السلام أقرب للثبات. ثم تبين أن المتنازعين نادراً ما يكونون متقاربين في القوة، ولذلك إذا جرى اشتراط العدالة مسبقاً فإن الحرب تستمر. ولذا صار هناك حرص على وقف النار أولاً، ثم محاولة تحقيق العدالة للضعيف!
هناك مستجداتٌ كثيرةٌ في المجالين الإقليمي والدولي. ومن تلك المستجدات ضعف النظام الدولي بسبب تصارع أطرافه الكبرى على الموارد والمجالات الاستراتيجية. ولذلك صار مجلس الأمن يتعطل، وتظل الحروب ناشبة، والمستضعَفون مهدَّدون، فبرزت القوة الأميركية الكبرى أيام ترامب التي تريد تثبيت السلام بالقوة. لدى عرب الجاهلية كان الاعتماد على الثقة بالحكم. ثم انتقل الاحتكام إلى المؤسسات. والآن يتطلع العالم كله إلى رئيس أقوى دولة في العالم ليكون حكماً في النزاعات. والواقع أنّ الرئيس ترامب هو الذي انتدب نفسَه صانعاً للسلام في العالم. ولذا حاول إنهاء كل النزاعات، وبخاصةٍ بين روسيا وأوكرانيا، وبين إسرائيل وغزة وفلسطينيي الضفة والقدس. حتى الآن لم يحصل شيء لجهة السلام رغم اجتماع ترامب بسائر الفرقاء.
الحكمة والإنصاف لا تلعب هنا الدور الرئيسي، بل القوة القاهرة التي يخشاها المتنازعون. وترامب منحاز لإسرائيل باعتبار أن «حماس» هي التي بدأت الهجوم. ومع ذلك فالجميع موافقون على الوساطة، ويأملون أن يأتي من ورائها وقفُ نار على الأقلّ!
هي وساطةٌ فريدة ليس فيها من مواصفات الزمن القديم غير الاسم. والحكمة الآن ليست مطلوبة من الوسيط، بل مطلوبة من الأطراف المتنازعة. وبالطبع سيكون الضعيف هو الأكثر ميلاً للسلام دونما أي حديث عن العدالة. يضع الجميع أيديهم على قلوبهم وهم يستمعون إلى الرئيس ترامب وخواطره وآرائه في كيفيات حلّ النزاعات.
أين هو النظام الدولي؟ هو ليس نائماً لكنه ليس فعالاً بحكم طغيان القوة، والسمعة الآن أنّ الرئيس ترامب هو الوحيد الذي يسعى للسلام!
*أستاذ الدراسات الإسلامية - جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية


