لم تكن التكنولوجيا رحيمة بصناعة نشر الأخبار لجيل كامل. أولاً، قضى موقع «كريجزلست» على سوق الإعلانات المبوبة. ثم قضت شركات مثل «جوجل» و«فيسبوك» على ما كان سوقاً مزدهرة للإعلانات التجارية ذات العلامات التجارية. والآن، وبسرعة لم يتوقعها الكثيرون وبحدة لم يدركها إلا القليلون، يهدد الذكاء الاصطناعي واحداً من الفوائد القليلة التي قدمها وادي السيليكون لصناعة الأخبار: القدرة على توزيع المقالات رقمياً وجذب مستخدمين جدد.
بدأت العملية قبل ما يقرب من ثلاث سنوات، عندما أطلقت شركة «أوبن إيه آي» أول نسخة عامة من «تشات جي بي تي». أُعجب المستهلكون بقدرة البرنامج ليس فقط على الإجابة عن الأسئلة، بل على كتابة شروح واضحة في مختلف المواضيع. لم يهتم الموظف المكتبي الذي حصل على تقرير جاهز أو الطالب الجامعي الذي تلقى مساعدة في كتابة بحث جامعي بكيفية تدريب «تشات جي بي تي» لنفسه عبر استيعاب كميات هائلة من بيانات الإنترنت التي لا يملكها.
وسرعان ما أدركت دور النشر أن برامج الذكاء الاصطناعي التوليدي، المعروفة باسم النماذج اللغوية الضخمة، ليست سوى لصوص رقميين يسرقون ملكيتها الفكرية. وتحققت أسوأ مخاوف هذه الصناعة في مايو 2024، عندما بدأت شركة «جوجل» على نطاق واسع بعرض نتائج «نظرة عامة بالذكاء الاصطناعي» على نطاق واسع للمستخدمين لعمليات البحث. لم تعد جوجل تعرض أولاً الروابط الأكثر شيوعاً التي تقود المستخدمين إلى المواقع الأصلية للمحتوى. فقد أصبح ملخص تفصيلي يكتبه برنامج الذكاء الاصطناعي الخاص بها تجربة أكثر إرضاءً بكثير. من يريد تصفح نتائج البحث - التي قد تبعد المستخدمين عن «جوجل» وتقودهم إلى موقع إخباري للناشر - بينما تقدم «جوجل» ملخصاً ذكياً بدلاً من ذلك؟
لديّ علاقة حبٍ وكراهية متبادلة مع «ملخص جوجل بالذكاء الاصطناعي»، وهذه هي المشكلة باختصار. تعجبني جودة الردود. فعلى سبيل المثال، أثناء البحث من أجل كتابة هذا المقال، وجدت أن ملخص «جوجل» كان نقطة انطلاق رائعة - أُنشئ في لمح البصر.
ما أكرهه هو أن «جوجل» وشركات أخرى تعيق تدفق الزوار إلى مواقع الأخبار، وهي الطريقة الأساسية التي يستخدمها الناشرون لنشر أعمالهم وجذب متصفحين جدد. فقد وجد باحثون في بريطانيا، على سبيل المثال، أن معدل النقر على الروابط من أجهزة الكمبيوتر المكتبية ينخفض بنحو 50 بالمئة عندما يُقدَّم للمستخدمين ملخص «نظرة عامة بالذكاء الاصطناعي» من جوجل. (تشكك جوجل في هذه الدراسة).
إذا أرادت صناعة النشر الإخباري، كما نعرفها، أن تنجو، فعليها أن تحارب الروبوتات. والخبر السار هو أن المعركة بدأت بالفعل على عدة جبهات، وإن كان بشكل محدود.
أولاً، تخوض الصناعة معارك قضائية، إذ قامت برفع دعاوى متعددة تزعم أن شركات الذكاء الاصطناعي الكبيرة والصغيرة تنتهك حقوق النشر عبر تدريب نماذجها من دون إذن من الناشرين. وأبرز هذه القضايا هي تلك التي رفعتها صحيفة «نيويورك تايمز» ضد شركة «أوبن إيه آي» وداعمها المالي مايكروسوفت، وتشمل أكبر الأسماء في صناعاتها. وهناك معركة كبرى مماثلة بين شركة «داو جونز»، ناشر صحيفة «وول ستريت جورنال»، في مواجهة شركة «بيربليكستي إيه آي» Perplexity AI.
ولا تقتصر المعركة على المؤسسات الإخبارية الكبرى. فقد رفعت عملاقتا هوليوود «ديزني» و«يونيفرسال» دعوى قضائية ضد شركة «ميد جيرني» Midjourney، المختصة في إنشاء الصور بالذكاء الاصطناعي، بتهمة تدريب نماذجها باستخدام أفلامهم. 
كما توجهت الصناعة مباشرة إلى واشنطن، حيث وجدت ترحيباً مفاجئاً من إدارة ترامب. فقد أطلق تحالف وسائل الإعلام الإخبارية، وهو جماعة ضغط، حملة في الربيع لوقف «سرقة الذكاء الاصطناعي»، ونشر إعلانات في الصحف تقول: «السرقة أمر غير أميركي. طالبوا واشنطن بإجبار شركات التكنولوجيا الكبرى على دفع ثمن المحتوى الذي تستولي عليه». وقد حققت صناعة الأخبار انتصاراً في يوليو عندما استثنت خطة ترامب الكبرى للذكاء الاصطناعي طلب شركات التكنولوجيا بالحماية من دعاوى حقوق النشر المستندة إلى استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي لمحتوى تابع لجهات خارجية.
كما تقدم التكنولوجيا بصيص أمل لصناعة النشر، إذ تقدم شركات برمجية مختلفة منتجات تساعد الناشرين على تتبع محاولات الزحف غير المصرح بها وجمع البيانات من مواقعهم. ومن بين هذه الشركات الواعدة «كلاود فلير» Cloudflare، التي برزت في البداية في الدفاع ضد الهجمات الإلكترونية. وقد أطلقت الشركة منتجاً يمكنه التعرف على نماذج الذكاء الاصطناعي، التي تحاول التدريب على مواقع النشر، وربما يتضمن نظاماً لفرض رسوم على هذه العمليات.
وربما تقدم التجارة نفسها أفضل أمل لصناعة النشر، فبينما كانت شركات التكنولوجيا تساعد نفسها بلا رادع بالمقالات والكتب ووصفات طعام وغيرها من المعلومات لبناء نماذجها، فإن العديد منها يصوغ في الوقت نفسه صفقات ترخيص، لا سيما مع الناشرين المرموقين. سواء وُلدت هذه الصفقات بدافع الخوف من التقاضي أو رغبة حقيقية في الوصول إلى معلومات عالية الجودة، فإنها بدأت تتزايد. فقد أبرمت شركة أمازون، على سبيل المثال، صفقات مع عدة ناشرين، منهم «نيويورك تايمز» وكوندي ناست وهيرست، كما عقدت «أوبن إيه آي» صفقات مع وكالة أسوشيتد برس وذي أتلانتيك و«واشنطن بوست».
ومن غير الواضح حتى الآن حجم الإيرادات التي تحققها هذه التراخيص - أو ما إذا كانت قريبة من تعويض الخسائر الناجمة عن انخفاض حركة الزيارات إلى مواقع الناشرين. وقد ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال مؤخراً أن أمازون ستدفع لـ«نيويورك تايمز» ما لا يقل عن 20 مليون دولار سنوياً مقابل الوصول إلى محتواها. وأقرت المديرة التنفيذية للتايمز مؤخراً أنه رغم قوة الاشتراكات، فإن شركات الذكاء الاصطناعي «تتخذ خطوات تؤدي باستمرار إلى تقليل حركة الزيارات إلى مواقع الناشرين».
تدافع صناعتا الأخبار والترفيه عن نفسها ضد مالكي الآلات التي تحل محل أعمالهما. وأخشى ألا يكفي هذا المزيج المعقد من التقاضي وممارسة الضغط والدفاع التكنولوجي والترخيص، الذي يعتمده هذان القطاعان، للفوز.

* صحفي مستقل.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»