في الثاني من الشهر الجاري خرجت معالي لانا نسيبة، وزيرة دولة على مألوف الدبلوماسية العربية منذ بدأت الحرب في غزة، بتحذيرها من أن ضم الضفة الغربية «سيشكل خطاً أحمر بالنسبة للإمارات»، وأضافت: «ومن شأنه أن يقوض بشدة رؤية وروح اتفاقات إبراهيم، وأن ينهي السعي إلى التكامل الإقليمي، وأن يغيّر الإجماع المشترك على نطاق واسع حول المسار الذي ينبغي أن يكون عليه هذا الصراع: دولتان تعيشان جنباً إلى جنب في سلام وازدهار وأمن».
وهذه التصريحات الأولى من نوعها في سياق الدبلوماسية العربية في التعامل مع السياسة الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية، منذ بدأت الحرب في غزة من نحو سنتين، تثير ثلاث ملاحظات على الأقل تتعلق بتوقيت هذه التصريحات، ودلالتها بالنسبة للسياسة الإماراتية والدبلوماسية العربية تجاه السياسة الإسرائيلية، وأخيراً مستقبل الأوضاع في المنطقة.
أما التوقيت، فلأن التصريحات تزامنت مع التصعيد شديد الوضوح في السياسة الإسرائيلية، ليس فقط تجاه غزة بمواصلة العمل من أجل استكمال احتلالها وتدميرها، وإنما بالتصريحات القاطعة من مسؤولين إسرائيليين كبار، وبالذات سموتريتش وزير المالية، بخصوص ضم الضفة لإسرائيل، ناهيك عن تصريحات رئيس مجلس الوزراء نفسه عن مهمته التاريخية لتجسيد «حلم إسرائيل الكبرى»، التي يعرف الجميع معناها بالنسبة للسلامة الإقليمية لعديد من الدول العربية، وليس فلسطين فحسب. وهكذا فإن ما كان يتردد كنوع من التحليلات أو التوقعات واستشراف المستقبل أصبح سلوكاً فعلياً وأمراً واقعاً يستوجب المواجهة. ومن هنا الأهمية الفائقة للتصريحات.
أما دلالة التصريحات بالنسبة للسياسة الإماراتية الخارجية عموماً، وتجاه القضية الفلسطينية خصوصاً، فهي شديدة الوضوح، ويتذكر القارئ الكريم أن دولة الإمارات عندما أقدمت على توقيع الاتفاقية مع إسرائيل في عام 2020، وتلتها في ذلك ثلاث دول عربية أخرى هي البحرين والمغرب والسودان، اشترطت للعلاقات مع إسرائيل تعليقَ الأخيرة خطط ضم أجزاء من الضفة الغربية التي احتلتها في عام 1967، وهو ما حدث بالفعل. ولذا فإن تصريحات نسيبة، وفي هذا التوقيت بالذات، تعكس مدى الاتساق في سياسة الإمارات الخارجية، بمعنى التمسك بالشرط المبدئي الذي وضعته للقبول بالاتفاق الذي مثل أفقاً جديداً لمستقبل الصراع يقوم على معادلة متوازنة بين تلبية الحقوق الفلسطينية والتعايش الطبيعي في المنطقة.
وبالتالي فإن أي إخلال بهذه المعادلة من جانب الطرف الإسرائيلي يستوجب ردَّ فعل هو ما تمثل في التصريحات الأخيرة، والتي يُفترض أن تكون بداية لنمط دبلوماسي عربي جديد يقوم على ضرورة التناسب بين السلوك الإسرائيلي وردود الفعل العربية. وتبقى أخيراً دلالة هذه التصريحات بالنسبة لمستقبل الصراع العربي الإسرائيلي وأوضاع المنطقة ككل. وكما سبقت الإشارة فإن الاتفاقيات الإبراهيمية قدمت أفقاً جديداً لهذا المستقبل يقوم على سلام متوازن بين طرفي الصراع يؤسس عليه أمن المنطقة ككل واستقرارها.
وقد حددت تصريحات نسيبة بدقة التأثير المحتمل للسلوك الإسرائيلي الراهن على المستقبل، بقولها إن من شأن ضم إسرائيل للضفة «أن يقوض بشدة رؤية وروح اتفاقات إبراهيم، وأن ينهي السعي إلى التكامل الإقليمي». والرسالة هنا شديدة الوضوح، وعلى إسرائيل أن توازن بين المضي قُدماً في سياستها التي تستخف بالثوابت العربية، والأمل في مستقبل آمن لكل مَن يعيش في هذه المنطقة.
*أستاذ العلوم السياسية - جامعة القاهرة


