في عام 1957، كان 92% من الأطفال الأميركيين قد تعلموا استخدام المرحاض بعمر 18 شهراً. وبعد أربعة عقود، انخفض هذا الرقم إلى 4% فقط. فلماذا أصبحنا نُدرب أطفالنا على استخدام المرحاض في وقت متأخر للغاية، مقارنةً بأجدادنا؟ السبب الأبرز هو الحفاضات ذات الاستخدام الواحد، المصنوعة من البلاستيك والسليولوز، والتي تحسَّنت على مدى عقود لتصبح أكثر امتصاصاً وأنحف وأقل تسريباً. إلا أنَّ ما روَّجت له شركة مصنعة لحفاضات بامبرز، كأداة للراحة منذ ستينيات القرن الماضي، قوَّض التحفيز لبدء تدريب الأطفال مبكراً، إذ حرّر الأطفال من شعور بلل القماش، وحرّر الأمهات من مشقة تنظيف الحفاضات المستعملة أو إرسالها إلى مغسلة متخصّصة.

غير أن تلك الراحة جاءت بثمن باهظ على البيئة. فقد وجدت دراسة حديثة أنه بين عامي 2011 و2018، كانت حفاضات الاستخدام الواحد من بين أكثر 25 عنصراً من النفايات المُلقاة في قاع البحر، ومن بين أكثر 40 عنصراً مُلقى على اليابسة. وفي الولايات المتحدة وحدها، يتم التخلص من أكثر من 18 مليار حفاضة سنوياً، مما يُسبب استنزافاً هائلاً للموارد الطبيعية. لا شك أن المواد البلاستيكية التي تُستخدم لمرة واحدة، قد سهّلت حياتنا بطرق عديدة على مدار القرن الماضي. كما أنها أعادت تشكيل طرق تناولنا للطعام والتسوق وتربية الأطفال وفهمنا للنظافة والتقدم بهدوء وعمق.

إلا أن البلاستيك أطلق موجة عارمة من النفايات، يتدفق معظمها إلى مكبات ومحارق النفايات أو ينتهي به الأمر كنفايات تضر بالتنوع البيولوجي والمناخ وصحة الإنسان.

وأصبحنا مدمنين الاستهلاك الواحد، لدرجة أن معالجته ستتطلب إعادة صياغة شاملة للقواعد التي حكمت الأعمال والاستهلاك على مدى الـ70 عاماً الماضية. وشهد البلاستيك، الذي اخترع لأول مرة قبل نحو 150 عاماً، نمواً هائلاً خلال الحرب العالمية الثانية مع ندرة مواد مثل المعادن والمطاط والحرير. وبعد انتهاء الحرب، استهدف قطاع البلاستيك ربات البيوت، وأصبحت منتجات المرة الواحدة مربحة للغاية. وساهمت الأغلفة البلاستيكية في ازدهار السوبر ماركت الحديث، وتراجع محلات الجزارة والخضروات والسمك. وسمح السيلوفان، الذي حصلت إحدى الشركات على حقوقه في الولايات المتحدة عام 1923، لتجار التجزئة بالاستغناء عن موظفي الخدمات وبيع المنتجات المغلفة مسبقاً تحت سقف واحد.

وفي عام 1933، كان هناك نحو 300 متجر بقالة ذاتي الخدمة في جميع أنحاء البلاد، وفي غضون 15 عاماً، ارتفع هذا العدد إلى 85 ألف متجر. والشركات أصبحت متدربة على استخدام البلاستيك لتجميع المنتجات وزيادة عمليات الشراء.

وجعلت المنتجات المعبأة مسبقاً التسوّق أكثر سهولة للمستهلك، وأكثر ربحية للمتاجر، ولكنه شجّع أيضاً على الإفراط في الشراء، والذي لا يزال سبباً رئيسياً لهدر الطعام. واعتمد تسويق «دو بونت» بشكل كبير على النظافة، وباتت «النظافة والسيلوفان مترادفان»، كما أشارت الإعلانات، التي وصفت الطعام غير المعبأ بأنه «قديم الطراز» و«غير صحي»، وهو ادعاء مبالغ فيه، حيث أظهرت دراسات لاحقة أن المواد الكيميائية من البلاستيك قد تتسرب إلى الطعام، وأن الأكياس المغلقة قد تشجّع حتى مسببات الأمراض مثل السالمونيلا. ولم يغيّر التغليف البلاستيكي طريقة شراء الطعام الطازج فحسب، بل حوّل القهوة من مشروب إلى عادة.

فبعد الحرب العالمية الثانية، نجحت إحدى الشركات في حل مشكلة مزمنة، وهي منع القهوة الساخنة من إذابة بطانات الشمع في الأكواب أو أن يكون طعمها مثل الورق المقوى، وذلك بإضافة بطانة بلاستيكية إلى الكوب الورقي وغطاء قابل للتركيب، لتصبح القهوة قابلة للحمل. وبحلول خمسينيات القرن الماضي، صارت القهوة الساخنة واحدة من أكثر المشروبات مبيعاً في أميركا، وبيع 3.4 مليار كوب قهوة للاستعمال مرة واحدة سنوياً عبر آلات البيع. وتعتمد سلاسل المقاهي حول العالم حالياً على أكواب الاستخدام مرة واحدة، حتى للزبائن داخل المكان. ويُقدر عدد الأكواب التي تُرمى سنوياً بـ250 مليار كوب. ولأن بطانة البلاستيك ملتصقة بشدة بالورق، نادراً ما يُعاد تدويرها. ونشرت المواد البلاستيكية الرخيصة والمتعددة الاستخدامات ثقافة الاستهلاك الفوري، والإفراط في الاستهلاك، وأدت إلى ارتفاع أرباح الشركات.

إلا أن العائلات لم تطالب قط بأن تكون جميع المنتجات مخصصة للاستخدام لمرة واحدة، بل اقتنعت بالفكرة. فقد موّلت إحدى الشركات دراسة تُظهر أن القماش أكثر تسبباً لطفح الحفاضات وانتشار العدوى في مراكز رعاية الأطفال. واستعانت بطبيب أطفال أميركي مشهور للظهور في إعلانات تلفزيونية يحذّر الأمهات من محاولة «تسريع» تدريب أطفالهن.

وفي الصين، حيث اعتادت الأمهات على تدريب أطفالهن على استخدام المرحاض في سن بضعة أشهر فقط، أطلقت إحدى الشركات حملات إعلانية تقول إن الحفاضات ذات الاستخدام الواحد توفّر نوماً أفضل، وبالتالي نمواً معرفياً أفضل. وكشفت دراسة عام 2015، أن أكثر من نصف الأمهات الصينيات يستخدمن حفاضات ذات استخدام واحد لأطفالهن في النهار بالمنزل، و77% يستخدمنها ليلاً. وفي الهند، حيث اعتادت النساء معالجة شعورهن بخلطات عشبية وزيوت منزلية الصنع حتى ثمانينيات القرن الماضي، أغرقت الشركات البلاد بأكياس الشامبو البلاستيكية الصغيرة غير قابلة لإعادة التدوير تكفي لغسلة واحدة، وإعلانات لنساء بشعر طويل حريري.

ولضمان وصول منتجاتها إلى أبعد القرى، وهي أماكن قليلة النفايات البلاستيكية من دون جمع منظم للنفايات، حشدت الشركات النساء المحليات الفقيرات للعمل كموزعات، لإقناع صديقاتهن وجيرانهن بشراء الشامبو والمنظفات وكريمات الوجه المعبأة في عبوات بلاستيكية. وفي السنوات الأخيرة، اشترى الهنود أكثر من 40 مليار كيس شامبو سنوياً، تُرمى جميعها أو تُحرق أو تُدفن. وعالمياً، ينتهي ما يعادل حمولة شاحنة قمامة من النفايات البلاستيكية في المحيط كل دقيقة. وقد عُثر على جزيئات بلاستيكية دقيقة في بعض أكثر الأماكن النائية على وجه الأرض، وكذلك في أدمغة البشر ورئاتهم ومشيمتهم، والتي ربطتها دراسات حديثة بزيادة خطر الإصابة بالنوبات القلبية أو السكتات الدماغية.

وبما أن غالبية البلاستيك مصنوع من الوقود الأحفوري، فإن تصنيع هذه المنتجات يسهم أيضاً بشكل رئيسي في تغير المناخ. أما التكاليف الاجتماعية لإدماننا على البلاستيك ذي الاستخدام الواحد أقل وضوحاً لكنها بالغة الأثر. فقد تراجعت مهارات الطهي، وأصبحت الوجبات العائلية أقل شيوعاً، وسادت «الموضة السريعة» التي تشجّع على الاستهلاك القهري والهدر. ومع ذلك، يُمكننا اتباع نهج مختلف. فقد تخلّت متاجر التجزئة الفرنسية الكبرى عن استخدام البلاستيك في مجموعة واسعة من الفواكه والخضراوات دون التسبب في ارتفاع ملحوظ في هدر الطعام، وأجبرت البلاد سلاسل مطاعم شهيرة على التحول إلى استخدام أطباق وأكواب قابلة للغسل لتناول الطعام في المطاعم.

وقد سجلت مدينة آرهوس الدنماركية عشرات المقاهي والأماكن الأخرى لنظام أكواب قابلة لإعادة الاستخدام، والذي حال دون رمي أكثر من مليون كوب منذ إطلاقه أوائل العام الماضي. كذلك تُدمج أوروبا إعادة الاستخدام والترشيد في القوانين والبنية التحتية. إن إعادة صياغة القوانين لتعكس التكلفة الكاملة لثقافة الاستهلاك، قد تُحفز الشركات التي أنفقت ملايين الدولارات على المنتجات أحادية الاستخدام على الاستثمار في بناء نظام أقل تدميراً.

وقد ترتفع الأسعار في البداية، لكن القوانين المُصممة جيداً، والتي تُشجع الشركات على اختيار عبوات أكثر مراعاةً للبيئة من شأنها أن تُخفض التكاليف بشكل عام بمساعدتها على تجنب رسوم الممارسات غير المستدامة. البلاستيك أحادي الاستخدام لم يكن حتمياً بل كان قراراً تجارياً. لكن يمكننا الآن اختيار خيارات مختلفة ومواجهة التلاعب بنا للوصول إلى هذه المرحلة، مع استجماع العزيمة للسعي نحو الأفضل.

*صحفية وكاتبة متخصّصة في قضايا البيئة والصحة

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»