اجتمع ممثلو الدول العربية والإسلامية بالدوحة عاصمة دولة قطر، بعد الضربة الإسرائيلية، ليُدينوا هذا العدوان الغادر على سيادة الدولة العربية، وليؤكدوا على مسار السلم الذي بدؤوه منذ عقود وجددوه وأكّدوه بعد بدء الحرب الأخيرة في أكتوبر 2023.
يقوم مسار السلم العربي والإسلامي على وقف الحرب على غزة والضفة فوراً، وعلى السير في «حلّ الدولتين» الذي أُقرّ في اتفاقية أوسلو عام 1993. وهو مسارٌ للسلم بالفعل لأنّ المآل الإسرائيلي للحرب على القطاع المنكوب لا يمكن تصوره، إذ يقوم على تهجير مليوني شخص ضِمن سياساتِ تهجيرٍ عنصرية وغير إنسانية تقوم على الإرعاب بالقتل وتخريب العمران وإجاعة الإنسان وإبادة الطفولة البريئة. ثم إنّ هناك عدة ملايين بين الضفة والقدس والقطاع هم في حالة اضطرابٍ دائمٍ منذ مائة عام، ولا يمكن تصور الاستقرار في المنطقة إلاّ باجتراح حلٍّ سياسي لهم في دولةٍ يتمتعون فيها بالحقوق الأساسية لبني البشر. ومن دون الحلّ الفلسطيني السياسي والسلمي ستستمر الحروبُ وأحداثُ القتل حتى للفلسطيني الأعزل السائر في الشارع.
الحلّ السياسي والدولة مسارٌ سلميٌّ بالفعل، حصل في سائر أنحاء العالم إلاّ في فلسطين. والعرب عندما يصرُّون على ذلك، مع المجتمع الدولي، إنما يختارون التعقل والحكمةَ والقبولَ بالحدّ الأدنى لاستمرار الحياة الإنسانية الكريمة. والغريب أن يقبل بذلك الفلسطينيون المحرومون من كل شيء ولا يقبله اليمينُ الإسرائيلي المستولي على القسم الأعظم من فلسطين التاريخية. ولا تعليل لذلك إلاّ بالعنجهية وأحاسيس التفوق وإرادة إلغاء الآخرين.
إنّ التعقّل العربي والعدوان الإسرائيلي ومعاناة الفلسطينيين، كل ذلك هو الذي جعل المجتمعَ الدولي كلَّه، باستثناء الولايات المتحدة الآن، يعتنق الحلَّ العربي بشقيه في إنهاء حرب غزة وفي المضيّ عبر مسار الدولة المستقبلية. بدأت هذا المسارَ، وبشجاعةٍ، إسبانيا، ثم أيرلندا، وصار الآن شاملاً، فحتى رئيس الوزراء البريطاني يقول للرئيس ترامب: سنعترف بالدولة الفلسطينية ونحن نختلف معك في هذا! والأُمم المتحدة مقبِلةٌ الآن على افتتاح أعمالها بقرار الاعتراف بالدولة بعد التصويت المبدئي من جانب 142 دولةً لصالح الحقوق السياسية الأساسية للفلسطينيين.
إن مظلمة فلسطين ليست مظلمةً وطنيةً وعربيةً وإنسانيةً فقط، بل الأخطر هي المحاولات المستمرة لتحويل النزاع إلى حرب دينية عبر الإغارة الدائمة على المسجد الأقصى، سواء بالحفر تحته وإحاطته بالممرات، أو باستخدامه لتعزيز الزعامات السياسية للمتشددين عبر اضطهاد المصلين.
وبالإضافة للمستوطنات المتنامية، لدى الحكومة الإسرائيلية الآن مشروعٌ لضم 82% من الضفة، وهو أمرٌ استنكرته الدولُ العربية وفي طليعتها دولة الإمارات، كما استنكرت هذه الهجمة الجديدةَ على الحقوق وحياة السكان الأُممُ المتحدة.
يقول الذين بلغ سخطُهم الذروةَ مِن محبي السلام في العالم إنّ الحربَ على فلسطين ما عاد يمكن احتمالها، وإن المسارَ العربي المتعقل والسلمي هو المسار الذي لا بديل عنه.. فالمنطقة تعاني من الاضطراب العميق والمنتشر بسبب الهجمات المستمرة على الفلسطينيين وعلى سوريا ولبنان. فلا بد من الحلّ السلمي الشامل الذي يُوقف القتلَ والتخريبَ والتهجيرَ والاحتلالَ.
كان مؤتمر القمة بالدوحة حداً فاصلاً بين ما قبل وما بعد. ويستطيع المصّرون على الحرب النظرَ بكبرياء إلى العالَم الساعي للسلام والاستقرار والحقوق، لكنّ القتال من جانبٍ واحدٍ من دون حدود لا يمكن أن يكون حلاً!
*أستاذ الدراسات الإسلامية - جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية


