تعتبر جنازة تشارلي كيرك، التي أقيمت الأحد، لحظة تاريخية للمحافظين في الولايات المتحدة. فقد أرادت أرملته إيريكا، والرئيس دونالد ترامب وحلفاؤه، استغلالَ المناسبة للتنديد بموجة التعصب والعنف الصادرة عن اليسار. غير أن خطورةَ اللحظة تفرض عليهم انتقاء النبرة بعناية؛ لأن أي انزلاق نحو الانتقام قد يهدد بإضاعة إرث كيرك. ومن الصعب المبالغة في مدى الهجوم اللاذع الذي وُجه للمحافظين على مدى ربع قرن.
وقد اعتاد أصحاب الشخصيات العامة على وصفهم بالفاشيين والنازيين، وانهالت عليهم تشهيرات أخرى. وتتلقى الشخصياتُ المحافظة البارزةُ تهديداتٍ بالقتل، لكنّ المحافظين العاديين يواجهون أيضاً الازدراء والسخرية في التفاعلات الاجتماعية اليومية، وحتى في أماكن العمل، حيث تُصنف آراؤهم أحياناً بأنها مثيرةٌ للانقسام من قبل إدارات الموارد البشرية في الشركات.
وجاء مقتل كيرك في أعقاب سلسلة من محاولات اغتيال محافظين بارزين آخرين، بما في ذلك محاولتان لاغتيال ترامب، ومؤامرة لاغتيال قاضي المحكمة العليا بريت كافانو عام 2022، والهجوم الذي نفذه أحد المؤيدين المهووسين بالسيناتور بيرني ساندرز «مستقل، عن ولاية فيرمونت»، حين أطلق النارَ على أعضاء «جمهوريين» في الكونغرس تجمعوا لحضور تدريب للبيسبول عام 2017، مما أسفر عن إصابة زعيم الأغلبية في مجلس النواب آنذاك، ستيف سكاليز «جمهوري، عن ولاية لويزيانا» بجروح بالغة.
ويُفسر ذلك سببَ غضب المحافظين الشديد إزاء اغتيال كيرك، إذ تعكس الكراهيةُ التي كانت دافعاً للهجوم ما اختبره الكثير منهم شخصياً. ونظراً لدور وسائل الإعلام في تضخيم وتأجيج الغضب تجاه اليمين، ليس من غير المعقول أن يعتقد المحافظون أن هذا التحفيز قد يدفع المرضى النفسيين إلى أعمال عنف متطرفة. صحيح أن أحداث 6 يناير 2021 أثبتت أن العنف ليس حكراً على اليسار، لكن لا شيء يضاهي هذا المزيجَ السام والمستمر الذي استهدف اليمينيين لسنوات. ولذا فليس مفاجئاً أن تجذب جنازةُ كيرك أنظارَ الأمة إلى هذه الحقيقة. ولذا أيضاً، يتعين على ترامب والحركة المحافظة أن يستغلوا هذه اللحظة لتثقيف الأفراد وتغيير معتقداتهم، لا لإشباع غريزة الانتقام. للأسف، يطالب بعضُ أنصار حركة «لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى» (ماغا) بالانتقام، بحجة أن اليسارَ لا يلتزم بالقواعد!
ورغم غموض التفاصيل، فإنها في جوهرها دعوة لمعاقبة بل وقمع الجماعات والأفراد الذين ينخرطون في خطاب تحريضي أو معلومات مُضللة. إنها نسخة مُحرفة من مقولة ميشيل أوباما الشهيرة: «إذا هبطوا، نرتفع نحن»، التي تدعو للرد بالسمو والأخلاق، أما هؤلاء فيقولون: «إذا هبطوا، نهبط أكثر منهم».
ويقود ذلك الطريق إلى الهاوية والهزيمة، فالأميركيون من مختلف الأطياف شعروا بالاشمئزاز من اغتيال كيرك، ويدركون أن الخطاب الحاد جزء من السياسة، لكنهم يدركون أيضاً أن تجاوز هذا الحد نحو العنف يهدد بإنهاء الديمقراطية الأميركية. لذا سينظرون إلى ترامب وطريقته في قيادة البلاد بعيداً عن هذا المنزلق الخطير. ولا ينبغي استغلال مقتل كيرك لتشويه إرثه. فقد كان يؤمن بأن الرد على تجاوزات اليسار يجب أن يكون عبر حرية التعبير والنقاش. وكان سيرفض أي محاولة لإخراج «خطاب الكراهية» من حماية التعديل الأول للدستور، كما حاولت المدعية العامة بام بوندي أن تقول قبل أن تتراجع عن موقفها.
يمكن لترامب ومنظمي الجنازة التنديد بالعناصر العنيفة والخطاب المتطرف الذي يسيء لصورة أميركا. وينبغي التحقيق في أي محاولات منظمة لإشعال العنف، فالقوانين الأميركية ضد الجريمة المنظمة وُضعت لهذا الغرض، لكن يجب التركيز على الكلمات المناسبة وليس على فرض سياسات متشددة. على المحافظين أن يحددوا خصمهم بدقة، وهم أقلية يسارية احتفت باغتيال كيرك، وتتمنى لو أن الرصاصة التي أصابت ترامب في بتلر (بنسلفانيا) كانت أفضل تصويباً، وعليهم دعم المحافظين بجانب الأغلبية الساحقة، واستخدام خطاب يُجبر «الديمقراطيين» على الاختيار: هل يتسامحون مع القلة العنيفة الحاقدة؟ أم يقفون مع الأغلبية النشطة والمسالمة؟ سيُثير ذلك غضبَ الكثيرين من اليسار، لكنها استراتيجية سياسية مُجربة. وقد صنف توماس جيفرسون خصومَه الفيدراليين كملكيين، لكنه قسّم أولئك الذين اختلفوا معه في السياسات عن أولئك المتشددين الذين لا يثقون بالشعب.
واتهم أبراهام لنكولن خصومَه بالسعي لجلب العبودية إلى الشمال، لكنه أيضاً استمال الديمقراطيين السابقين الذين آمنوا بإعلان الاستقلال بأن «جميع البشر خلقوا متساوين». ويمكن لترامب وحركة «ماغا» أن يحذوا حذو جيفرسون ولنكولن، بقول الحقيقة والاعتماد على قوة الحجج بدلاً من سلطة الحكومة لتحقيق النصر.لقد أراد تشارلي كيرك إقناعَ الأميركيين باختيار الطريق المحافظ. وعبر تنظيم جنازته بشكل يحقق حلمه، يطلق ترامب وحركة «ماغا» آلافاً من أمثال تشارلي كيرك، جميعهم يسعون جاهدين لتحقيق الأغلبية المحافظة التي كان يسعى إليها.
*زميل أول في مركز الأخلاقيات والسياسات العامة.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»


