حن بصدد الدخول في موسم إغلاق الحكومة في مبنى الكابيتول هيل. وتشير التوقعات إلى أسابيع من النقاش السياسي حول أي حزب مسؤول عن تقديم تنازلات للحفاظ على تمويل الحكومة الفيدرالية، مع احتمال كبير بحدوث انقطاعات قصيرة في بعض الخدمات الحكومية.
لكن إذا فكرنا في مصالح «الجمهوريين» و«الديمقراطيين» ووجهات نظرهم، يمكن أن نرى إمكانيةَ التوصل إلى صفقة مفيدة في نهاية هذه الأزمة.
يشعر الديمقراطيون بالاستياء من كل ما تفعله إدارة ترامب، ويشعرون أيضاً بالاستياء من عجزهم عن فعل الكثير حيال ذلك. إنهم يشعرون بأن عليهم أن يفعلوا شيئاً ما، وتعطيل تمويل الحكومة أحد الأشياء القليلة التي يملكون القدرةَ على فعلها، كونهم لا يملكون سوى أقلية في الكونجرس. إذ يتطلب الحفاظ على تمويل الحكومة 60 صوتاً في مجلس الشيوخ.
التطورات منذ مارس، عندما وافق زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ، «تشارلز إي. شومر» (نيويورك)، على استمرار تمويل العمليات الحكومية حتى نهاية هذا الشهر، صارت تميل لصالح الإغلاق. في ذلك الوقت، قال شومر إن الإغلاق سيمنح إيلون ماسك مزيداً من النفوذ، وإن المحاكم بدأت تكبح تجاوزات الإدارة. لكن تلك الحجج الآن إمّا تبدو قديمة أو تم تجاوزها. وفي الوقت نفسه، ازداد غضب الناخبين الديمقراطيين مما يرونه ضعفاً في قادتهم.
وتريد قاعدة الحزب الديمقراطي أن ترى قادتها في موقف دراماتيكي من المعارضة. وعندما تطالب قاعدةُ أي حزب حديث بمثل هذا العرض، فإنها عادةً ما تحصل عليه. لكن العرض يجب أن يكون حول شيء ملموس: لا بد أن يرتبط الإغلاق بمطلب واضح، بحيث يتمكن الديمقراطيون من تفسير ما يتطلبه الأمر لمنع دعمهم مشروعَ قانون التمويل. لا يمكن أن يكون مجرد احتجاج عام على رئاسة ترامب.
ويبدو الديمقراطيون أقرب إلى توافق في الآراء ضد التصويت على مشروع قانون التمويل في ظل قيود إدارة الهجرة والجمارك. وهذه ليس بالضرورة أرضية سياسية مواتية للديمقراطيين، وخاصة في الدوائر المتأرجحة. وحتى فيما يخص رسوم ترامب الجمركية فالديمقراطيون مترددون بشأنها، إذ يرغبون في إجبار الجمهوريين على إلغاء تخفيضات برنامج «ميديكيد»، في مشروع قانونهم الضخم الذي أقروه مؤخراً، لكنهم لا يملكون النفوذَ الكافي للقيام بذلك.
الخيار الأكثر منطقية هو أن يطالب الديمقراطيون بأن يتضمن أي مشروع قانون لتمويل الحكومة تمديد الإعفاءات الضريبية على التأمين الصحي (أوباماكير) التي وضعها الرئيس جو بايدن والتي تنتهي صلاحيتها هذا العام. وهذه القضية تثير الانقسام بالفعل داخل الجمهوريين، بينما يتفق الديمقراطيون على أهميتها السياسية وجدواها.
ربما تكون أسباب العداء للإعفاءات بين معظم الجمهوريين كثيرة جداً بحيث يصعب حصرها. وضع بايدن هذه الإعفاءات (الضربة الأولى) جزئياً لجعل بورصات أوباما كير قابلة للتطبيق (الضربة الثانية). وروّج لها المدافعون على أنها إجراء مؤقت في حقبة كوفيد (الضربة الثالثة)، لكنهم الآن يريدون أن يكون الإعفاء الضريبي دائماً. ويبدو أن الإعفاءات الموسعة قد أتاحت عمليات احتيال واسعة النطاق (الضربة الرابعة، والقائمة طويلة).
لم يعد لدى الجمهوريين في الكونجرس أي طموح جدي لإلغاء قانون أوباماكير، لكنهم عموماً لا يرون أن مهمتهم إنقاذه. ومع ذلك، يدرك أعضاء الحزب، خصوصاً في الدوائر شديدة التنافس، أن انتهاء صلاحية الإعفاءات سيؤدي إلى زيادات كبيرة في أقساط التأمين لبعض ناخبيهم، بما في ذلك المستقلون والجمهوريون في دوائرهم. ولا يبدو إنقاذ أنفسهم أمراً سيئاً بنفس القدر.
أفضل نتيجة سياسية للجمهوريين في الدوائر المتأرجحة هي تمديد لمدة عام واحد لتجاوز انتخابات التجديد النصفي. لكن الديمقراطيين ليسوا بهذه السهولة ليقبلوا بهذه الصفقة. سيحاولون التمسك بتمديد أطول أمداً، أو من أجل استمرارية، كل ذلك مع التباهي بالتزامهم بالرعاية الصحية للأميركيين وعدم التزام الجمهوريين بذلك.
لكن من غير المرجح أن يقبل الجمهوريون بتمديد طويل الأمد من دون إصلاحات. وفي رأيي، لا ينبغي لهم ذلك. فهذا سيعني رفع الأقساط عبر اللوائح التنظيمية ثم استخدام الدعم المالي لتغطية الأقساط الأعلى. وتلك ليست سياسة صحية منطقية، ولا يجب أن يقبلها الجمهوريون.
البديل هو تخفيف القواعد: السماح لشركات التأمين بتقديم بوالص تأمين مخفضة للأشخاص الأصحاء. وهذه خطوة اتخذتها إدارة ترامب الأولى، لكن بايدن تراجع عنها. خلال حملة العام الماضي، ناقش نائب الرئيس «جيه دي فانس» بإيجاز العودة إلى القواعد الأسهل. الفكرة هي: يجب أن يتمكن الأفراد الأصحاء، بأموالهم الخاصة، من شراء تأمين أقل تكلفة يوفر لهم قيمة جيدة تتناسب مع مشاكلهم الصحية. وفي الوقت نفسه، ستضمن الإعفاءات الضريبية الممتدة احتفاظَ المسجلين ذوي الدخل المنخفض والذين يعانون من حالات مرضية سابقة بالتغطية أيضاً.
كل حزب سيحصل على بعض المكاسب. يمكن للجمهوريين أن يقولوا إنهم أجبروا الديمقراطيين على قبول تعديل في قانون الرعاية الصحية الأميركي (أوباما كير)، ومنعوا إغلاقاً حكومياً طويلاً، وحموا الناخبين من ضائقة اقتصادية. ويمكن للديمقراطيين أن يقولوا الشيء نفسه تقريباً، مع تعديل يفيد بأنهم أجبروا الجمهوريين على قبول تمديد فوائد أوباماكير. أما الجمهور فسيحصل على قدر أكبر من الاستقرار، من دون تغييرات مفاجئة في سياساتهم الصحية أو أقساطهم أو انقطاع في عمل حكومتهم، إلى جانب بعض الإصلاحات المفيدة.
هل هذا السيناريو بعيد المنال؟ ستكون التوقعات متقاربة. لكن طالما أننا مقبلون على هذه المواجهة فمن الأفضل أن نحاول الحصول على شيء قيّم منها.
*زميل في معهد أميركان إنتربرايز
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»


